الترقية

الساعة ثمانية ونصف بالظبط، كنت قاعدة في مكتب الأستاذ أسامة المحامي. حطيت الملفات على ترابيزته الخشب الكبيرة، وشرحتله الكشوفات خطوة بخطوة. الراجل كان بيقلّب الأوراق وهو بيهز رأسه بذهول: “ده كلام خطير يا مدام إيلين.. كشوفات البنك دي حاسمة. التسعين في المية اللي اتسحبت من حسابك على مدار السنين اللي فاتت، مع عدم وجود أي إثبات لتحويلات منتظمة منه للقرض، تديه موقف قانوني ضعيف جدًا. قضية استرداد الأموال محسومة، والتحفظ على الشقة مسألة وقت. أما بالنسبة للقضية اللي في شركته… لو التقرير طلع من عندك ومكتوب فيه التجاوزات الماليّة، النيابة الإدارية هتحرك الدعوى على طول.”

رديت ببرود تام: “أنا مش هظلم حد يا متر، لكن مش هغطي على حرامي، حتى لو كان الزوج اللي اتخدعت فيه ست سنين. التقرير هيطلع زي ما المستندات بتقول بالظبط. والورق هينزل التحقيق بكرة الصبح.”

طلعت من مكتب المحامي وطلعت على الشركة.. دخلت من الباب الرئيسي، وكان ده أول يوم ليا رسمياً في منصب مديرة الموارد البشرية المركزية. الموظفين كانوا بيقفوا يسلموا عليّ، التهاني والورود كانت مالية المكتب، والابتسامات المخلصة من زمايلي اللي شافوا تعبي طول السنين اللي فاتت كانت بتملى المكان.

قعدت على الكرسي الجلدي الفخم، مسكت القلم الروترنج الأسود، وبصيت للملف اللي كان محطوط قدامي على الترابيزة: “ملف المخالفات المالية والإدارية – قطاع التوريدات – شركة المقاولات العامة.”

الملف ده ما كانش مجرد ورق، ده كان الشاهد على خيانة أحمد لضميره الوظيفي، زي ما كان خاين لبيته. كان بيوقع على استلام خامات ناقصة مقابل عمولات تحت الترابيزة، وكان بيمضي على إفراجات مالية للمقاولين قبل ما يستلموا المواقع. كان فاكر إن المدير القديم هيستر عليه عشان كان بياخد معاه، لكن الباب اتقفل والمدير القديم طلع معاش، والملف وقع في إيدي أنا.

ما ترددتش لحظة. فتحت الحبر، وبدأت أكتب تقريري التفصيلي بكل الشفافية والمهنية. كتبت كل مخالفة بالرقم والمستند، وأرفقت أصول الفواتير المزورة، وفي النهاية ختمت الورقة بتوقيعي العريض: “إيلين – مديرة الموارد البشرية المركزية”، وأحلت الملف فوراً للجنة التحقيق القانونية العليا ومعاها قرار بإيقاف أحمد عن العمل لحين انتهاء التحقيقات.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *