تزوجت من أرمل وأنا في الثانية والسبعين من عمري

في سن الثانية والسبعين، تزوجتُ من أرمل.. ولكن خلال حفل الزفاف، جذبتني ابنته جانبًا وقالت لي: “هو مش الشخص اللي انتِ فاكراه”. وبعد دقائق، أرأتني دليلاً غير كل شيء.

​كنت في الثانية والسبعين حين قررت الزواج مرة أخرى، وهو أمر لم أتخيل أبدًا أنني سأفعله. لو أخبرني أحد بذلك قبل عام واحد فقط، لكنت ضحكت بسخرية.

​زوجي الأول، “إبراهيم”، كان حب عمري. عشنا معًا 35 سنة جميلة قبل أن يختطفه المرض مني. بعد وفاته، كان المكان الوحيد الذي أجد فيه ذرة من الراحة هو النادى اللى كنا بنتجمع فيه.. ليس سعادة أو شفاءً، بل مجرد هدوء صامت يخفف عني وحشة بيتي الفارغ.

​هناك قابلت “عادل”.

​في أحد الأيام، رأيته جالسًا بمفرده، يميل بجسده للأمام، ويقبض على يديه بقوة حتى ابيضّت مفاصله. اقتربت منه وسألته بلطف: “أنت كويس؟”

​رفع رأسه ببطء، وكأنه عائد من عالم آخر، وابتسم لي ابتسامة باهتة متعبة: “هكون كويس إن شاء الله”.

​كان في إجابته شيء جعلني أجلس بجانبه. أردت أن أسأل أكثر، لكننا كنا غرباء. تكلمنا يومها لمدة ربع ساعة، ثم تكررت اللقاءات.. نتمشى بعد النادى، نشرب الشاي، ثم نتناول الغداء معًا.

​حدث كل شيء بهدوء شديد لدرجة أنني لم أدرك أنه حب في البداية. ظننت أننا مجرد شخصين وحيدين يواسيان بعضهما.

​حكى لي “عادل” قصته؛ قال إن زوجته توفيت في حادث منذ سنوات طويلة. قال بحذر: “من وقتها، عشت لتربية بنتي ليلى.. ربيتها لوحدي ومفكرتش أتجوز غيرها”.

​أومأت برأسي قائلة: “بعد ما فقدت إبراهيم، عرفت إن فيه خسارات بتقسم العمر نصين.. قبل وبعد”.

​أمسك بيدي وقال: “ده بالظبط اللي حسيته”.

​وقتها عرفت.. أن قلبي ما زال ينبض.

​لاحقًا، دعاني “عادل” للعشاء في منزله. دخلت ابنته “ليلى” في منتصف السهرة.. كانت طويلة، رصينة، تلم شعرها بصرامة، وملامح وجهها يصعب قراءتها. لاحظت أن عادل ارتبك بمجرد دخولها.

​قالت وهي تتفحصني من رأسي لقدمي: “أهلاً.. إنتِ بقى الست اللي بابا حكالي عنها؟”

​هز عادل رأسه: “دي كريمة يا ليلى.. يا كريمة، دي بنتي ليلى”.

​قالت ليلى ببرود: “فرصة سعيدة”، ومدت يدها بمصافحة خالية من أي دفء.

​بعدها حاول عادل طمأنتي: “هي بس بتغير عليا، إحنا م لناش غير بعض طول عمرنا”.

​وصدقته.. لماذا لا أصدقه؟

​لكن، كانت هناك لحظات مريبة.

​مرة، وكنا في مطعم، ضرب رجل مسن عادل على كتفه قائلاً: “يا عادل! مش معقول.. بقالنا كام؟ 25 سنة؟ أخبارك إيه يا راجل؟”

​تصلب عادل في مكانه لثانية واحدة، لكنني رأيت الخوف يلمع في عينيه قبل أن يرسم ابتسامة مصطنعة: “عايزني ألخص لك 25 سنة في جملة واحدة؟”

​ضحك الرجل: “عادل طول عمرك مابتتغيرش”.

​لكن عادل طلب الحساب بسرعة فائقة، لدرجة أننا لم نطلب التحلية.

​في الطريق سألته: “مين ده؟ وليه كنت مستعجل كدة؟”

​تردد عادل ثم قال: “ده شخص رغاي وممل، وعشان كدة مكلمتوش من 25 سنة”.

​مررت الموقف.. وهذا ما يخجلني الآن، كم كنت ساذجة.

​بعد سنة، عرض عليّ عادل الزواج. قال وهو يمسك يدي: “إحنا معندناش الوقت اللي الشباب فاكرين إنه عندهم.. مش عايز أضيع يوم من غيرك، تتجوزيني يا كريمة؟”

​وافقت والدموع في عيني. في سن الثانية والسبعين، حين يطرق الفرح بابك, لا تتركه ينتظر في الخارج.

​قبل الزفاف بأسبوع، وجدتني ليلى وحدي في المطبخ. سألتني وهي تعبث بأصابعها بتوتر: “إنتِ فعلًا تعرفي بابا كويس؟”

​أجبتها: “على قد ما بنعرف بعض كبشر”.

​قالت بصوت خفيض: “أرجوكِ ما تاخديش كلامي باستخفاف.. هو عمره حكى لك عن—”

​وقبل أن تكمل، دخل عادل وهو يحمل عينات من دعوات الفرح. سأل: “أنا قاطعت حاجة؟”

​قالت ليلى بسرعة: “لا.. أنا لازم أمشي”.

​ولم أرها ثانية.. إلا في يوم الزفاف.

​كان الحفل صغيرًا في حديقة منزله. كان يبدو وسيمًا في بدلته الكحلية، وكنت أرتدي فستانًا سكريًا وقورًا. كنت أشعر بالحماس كأنني مراهقة. وهذا أكثر ما يؤلمني الآن.

​”أنا موافقة”، قلتها قبل أن ينهي المأذون كلمته. ضحك المعازيم وابتسم عادل. وفي لحظة.. أصبحت زوجة مرة أخرى.

​لكن ليلى كانت تقف بعيدًا، تراقبني بوجه متصلب يعتصره الألم. لم أستطع تجاهلها أكثر من ذلك. ذهبت إليها وقلت: “ليلى، لازم نتكلم”.

​قالت بهدوء: “أنا كمان شايفة كدة”.

​بمجرد أن انفردنا، انهار قناع الجمود على وجهها. قالت والدموع تملأ عينيها: “إنتِ ست طيبة يا طنط كريمة.. وأنا خايفة عليكي. أبويا بيكذب عليكي.. هو مش الشخص اللي بيقول إنه هو. الشخص اللي إنتِ اتجوزتيه النهاردة مات من 20 سنة! تعالي معايا المخزن تحت.. وأنا هوريكي الحقيقة بالدليل”.

​لم أنطق بكلمة واحدة. لوهلة، وقفت مكاني أنظر إليها، أحاول أن أفهم.. هل هذا الذي أراه في عينيها خوف؟ أم غضب؟ أم شيء آخر؟

​ثم استدارت “ليلى” وبدأت تمشي باتجاه باب القبو (المخزن السفلي)، وتبعتها أنا.. كانت كل خطوة أخطوها أثقل من التي سبقتها.

​أصوات الموسيقى وضحكات المعازف في الأعلى بدأت تتلاشى تدريجيًا ونحن ننزل السلالم. فتحت ليلى الباب وأضاءت النور. كان القبو مرتبًا بشكل يثير الريبة، صناديق مرصوصة بدقة على الجدران، وكل صندوق عليه ملصق بعناية.

​اتجهت ليلى مباشرة إلى خزانة معدنية، وكانت يدها ترتجف وهي تفتح القفل. قالت بصوت مخنوق: “أنا كمان مكنتش عايزة أصدق في الأول”.

​أخرجت ملفًا وأعطته لي. فتحت الملف.. كانت أوراقًا قديمة.. شهادة وفاة. شعرت ببرودة تجمد أصابعي وأنا أقرأ الاسم: “عادل المنشاوي”. تاريخ الوفاة: منذ عشرين عامًا.

​انقطع نفسي.. وهمست: “مش ممكن.. ده مستحيل”.

​هزت ليلى رأسها وقالت: “الموضوع أسوأ من كدة”.

​ناولتني مجموعة أوراق أخرى.. أسماء مختلفة.. محافظات مختلفة.. رخص قيادة.. عقود أملاك.. وصور قديمة. في كل صورة.. كان هو. نفس الوجه، نفس الرجل.. لكن بهوية مختلفة.

​قالت وصوتها يتهدج: “بقاله سنين بيعمل كدة.. ينتقل من مكان لمكان، اسم جديد، قصة جديدة، وست جديدة يضحك عليها”.

​شعرت وكأن الأرض سُحبت من تحت قدمي. قلت بضعف: “لأ..”

​استمرت ليلى: “بدأت ألاحظ حاجات غريبة وأنا صغيرة.. ناس بتناديه بأسماء تانية، هروبه من أماكن معينة.. الراجل اللي كان في المطعم؟ ده كان عارفه من زمان.. من حياة تانية عاشها”.

​كل شيء أصبح واضحًا الآن.. فجأة وبدون مقدمات. ارتباكه.. خوفه.. انسحابه السريع من المواقف.. قصصه المحبوكة بدقة.

​سألته بصعوبة: “وليه بتقولي لي دلوقتي؟”

​امتلأت عيناها بالدموع: “لأنك ست محترمة ومش زي غيرك.. ولأني حاسة إنه كان ناوي يعملها تاني”.

​ارتجف جسدي: “يعمل إيه؟”

​ترددت ثم قالت: “يختفي”.

​ترددت الكلمة في أذني كأنه صدى في بئر عميق. أغلقت الملف ببطء. لوهلة، ظننت أنني سأنهار.. لكنني لم أفعل. ثمة شيء بداخلي تماسك فجأة. اثنان وسبعون عامًا من الحياة تعلمك شيئًا واحدًا: حين تظهر الحقيقة وجهًا لوجه.. يجب أن تواجهها.

​نظرت إلى ليلى وقلت: “شكرًا ليكي”. أومأت برأسها وهي تمسح دموعها وسألتني: “ناوية تعملي إيه؟”

​أخذت نفسًا عميقًا، ثم استدرت وصعدت للأعلى.

​الموسيقى كانت لا تزال تعزف.. والناس يضحكون. و”عادل” يقف في وسطهم، يبتسم، يصافح هذا وذاك، يؤدي دوره بإتقان مذهل. زوجي.. أو أيا كان اسمه الحقيقي.

​مشيت باتجاهه مباشرة. رآني مقبلة فزادت ابتسامته اتساعًا. قال: “إنتِ فين يا كريمة؟ كنت لسه بسأل—”

​قاطعتُه بصوت واضح وصارم: “عادل”.

​هدأت الضجة في الغرفة قليلاً. اهتزت ابتسامته وهو يرى نظراتي: “فيه إيه يا حبيبتي؟ حصل حاجة؟”

​اقتربت منه أكثر.. لدرجة أنني رأيت اللمعة في عينيه.. لمعة الماكر الذي يحسب خطواته. قلت له: “كان لازم تقولي الحقيقة”.

​تجمد وجهه تمامًا: “مش فاهم قصدك إيه”.

​رفعت الملف في وجهه أمام الجميع. لثانية واحدة —ثانية واحدة فقط— سقط قناعه وظهر وجهه الحقيقي المذعور. كان هذا كل ما أحتاجه.

​بدأت الهمسات تتعالى بين المعازيم مع انتشار الصمت. قلت بهدوء وثبات: “أنت اسمك مش عادل.. وأنت عايش في كذبة بقالك سنين طويلة”.

​لم يصرخ.. لم تحدث فوضى. كانت الحقيقة فقط هي التي تملأ المكان. نظر حوله، وأدرك أنه لا يوجد مخرج.. لأول مرة، ليس لديه مكان يهرب إليه. بدأ يتلعثم: “أنا.. أنا ممكن أشرح لك..”

​هزت رأسي وقلت: “لأ.. أنت شرحت كفاية”. تراجعت خطوة للخلف وأضفت: “أنا بلغت البوليس خلاص”.

​هذا ما فعلته قبل أن أصعد من القبو. سن الاثنين وسبعين لا يعني الضعف.. بل يعني الخبرة.

​بعد دقائق، قطعت أصوات السرينة هدوء المكان. وهكذا.. انتهت قصته. ليس بهروب جديد، ولا بكذبة أخرى.. بل بالحقيقة التي طاردته حتى أمسكت به.

​وبينما كانوا يقتادونه بعيدًا، وقفت أنا هناك بكل هدوء. بلا دموع.. وبلا ندم. لأنني رغم أنني خُدعت.. إلا أنني كنت قوية بما يكفي لأواجه الخديعة.

​في سني هذا، هذا هو الأهم.. ليس أنك لا تسقط أبدًا.. بل أنك حين تسقط.. تقف مرة أخرى وعيناك مفتحتان على آخرهما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *