الترقية

وقفت من على كرسيي، مشيت بخطوات هادية لحد ما وقفت قدامها، وبصيت في عينيها مباشرة: “أنا ما دمرتش حد.. أحمد هو اللي دمر نفسه لما مد إيده على الفلوس الحرام، ولما زور الفواتير، ولما افتكر إن منصب مراته هيحميه من السرقة. وأنا هنا مديرة موارد بشرية، مش صاحبة الشركة عشان أتنازل عن أمتار وفلوس ملك المساهمين. القانون أخد مجراه، وأنا مش هزوّر الحقيقة ولا هغير تقارير أمانة الشغل عشان أساعد حد خاين لضميره.”
أما بالنسبة ليكي.. فتحت درج مكتبي، طلعت شيك بمبلغ مالي محترم يغطي مصاريف معيشة بسيطة لكام شهر، وحطيتَه على الترابيزة قدامها. بصت للشيك بذهول ودموعها نازلة. قلت لها: “ده مش عشانك، ولا عشان أحمد.. ده لوجه الله، عشان ما أكونش قاسية زيكُم، وعشان أنا أتربيت على الأصول. المبلغ ده هيعيشك مستورة في بلدك، بس رجلِك ما تطأش الشركة دي تاني، ولا اسمي يتقال على لسانكم. أحمد هيقضي عقوبته عشان يتعلم إن أكل أشقاء الناس والسرقة ليهم ثمن، وإن الكسر اللي بيسيبه في قلوب الناس بيلف وبيرجع لصاحبه.”
حماتي مسكت الشيك وهي بتبكي وبتهز رأسها، مش عارفة تشكرني ولا تبكي على خيبة ابنها. أخدت أوراقها وخرجت من المكتب بجر أقدامها، كأنها شايلة جبل فوق كتافها.
قعدت على كرسيي تاني.. وطلعت تنهيدة طويلة، تنهيدة خروج آخر قطرة زعل من قلبي.
عدت الأيام والشهور بسرعة.. وفي خلال سنتين:
- أحمد قضى فترة عقوبته في السجن، وخرج شخص ثاني خالص.. خرج مكسور، من غير شغلانة، من غير سمعة مهنية، وبصحيفة جنائية تمنعه إنه يشتغل في أي شركة محترمة بقية حياته. اضطر يشتغل أوفيس بوي أو موظف استقبال بسيط في مكتب صغير في أطراف المحافظة، بمرتب يا دوب يكفيه بالعافية هو وأمه، وعايش في بيته القديم في الأرياف بعد ما خسر الشقة الكبيرة وكل أملاكه.
- أما أنا.. فحياتي أزهرت بشكل ماكنتش أتحلم بيه. في شغلي، أثبت جدارتي لدرجة إن مجلس إدارة الشركة قرر ترقيتي لمنصب نائب رئيس مجلس الإدارة للشؤون الإدارية والموارد البشرية على مستوى المجموعة كلها، وبقيت واحدة من أهم الشخصيات القيادية في المجال.
وفي حياتي الشخصية.. ربنا عوضني باللي يستاهل قلبي. اتعرفت على “دكتور طارق”، أستاذ إدارة الأعمال في الجامعة واستشاري التطوير الإداري للشركة. طارق كان راجل بمعنى الكلمة.. راجل ناضج، بيحترم عقلي قبل شكلي، بيفخر بنجاحي وبيشجعني في كل خطوة، وما بيشوفش نجاحي تهديد لرجولته، بالعكس.. كان بيقف في كل مؤتمر تكريم ليّه، يصورني بعينيه المليانة فخر، ويقول للناس كلها بصوت عالي: “دي دكتورة إيلين.. مراتي وفخري.” إتجوزنا في حفل جميل وراقي، عشنا في بيتنا الجديد المليان بالدفء، والضحك، والاحترام المتبادل. بيتنا اللي مافيهوش قلة قيمة، ولا استغلال، ولا حقد.

