الترقية

رديت ببرود ثلجي نابع من راحة بال حقيقية، مش من غل: “أهلاً يا أم أحمد.. خير؟ الجواب اللي بعتيه ده معناه إيه؟”

مسكت الجواب بإيديها المرتعشة وقالت وهي بتنزل دموعها: “أحمد حكموا عليه الأسبوع اللي فات بثلاث سنين سجناً مشدد في قضية التزوير والاختلاس.. ثلاثة سنين يا إيلين! ابن بطني هيضيع في السجن، ومستقبله اتدمر خلاص.. والبنك حجز على كل حسابه، وأنا كبرت في السن ورجعت عشت في البلد لوحدي، ما معيش ولا مليم أعيش منه ولا حتى أدفع مصاريف المحامي اللي بيحاول يستأنف على الحكم!”

سكتت لحظة وشهقت بالبكاء وهي بتبصلي بإنكسار: “المحامي قالنا إن لو الشركة قدمت تنازل رسمي أو تصالح مالي عن جزء من الأضرار، القاضي ممكن يخفف الحكم أو يوقفه.. إنتِ المديرة هنا يا إيلين! بكلمة منك في مجلس الإدارة ممكن تنقذيه! أنقذي شباب ابنك اللي بيضيع بين أربع حيطان.. عشان خاطر ربنا سامحينا!”

بصيتلها بثبات، ماكنش في قلبي غل، بس ماكنش فيه برضه أي نقطة ضعف أو تراجع. كان فيه عدل.. والعدل هو اللي بيتكلم. قلت بصوت واطي ومترتب: “يا أم أحمد.. إنتِ جاية دلوقتي تطلبي مني أسامح وأتدخل؟ فاكرة الليلة اللي دخلت فيها بأكياس الجمبري والستيك والتورته؟ فاكرة لما كنت فرحانة بإن تعب ست سنين أثمر، وجاية أشارك الفرحة مع الراجل اللي كنت فاكراه جوزي وسندي؟ إنتِ عملتي إيه وقتها؟”

حماتي طأطأت رأسها وهي بتبكي: “كنت غبية يا بنتي.. الشيطان كان راكبنا والغيرة أكلت قلوبنا..”

كملت كلامي بثبات: “لا.. مش الشيطان يا أم أحمد. ده كان طبعكم. إنتِ وابنك استكثرتوا عليّ الفرحة، استكثرتوا إن الشغالة اللي بتدفع أقساط الشقة وتطبخ وتكنس، تترقى ويبقى ليها شأن. إنتِ كليتي أُكلي بضحك واستزياء، وابنك بصلي وقال لي ‘مش هتاكلي مع عامة الشعب؟’.. إنتوا اللي اخترتوا تهمشوني وتستغلوني، والنهارده القانون هو اللي بياخد حق الست اللي اتظلمت.”

قامت من على الكرسي وركعت تقريباً عند سور المكتب وهي بتبكي بانهيار: “يا بنتي استغفري ربنا! ارحمي ضعفي وشيبي! أحمد بيتأكل في السجن، وأنا مش لاقية اللقمة اللي أكلها! الشقة بعتيها، والأموال استرديتيها، وابني اتسجن.. أخدتي حقك وزيادة يا إيلين! خلاص كده العوض جه، بلاش تدمري اللي فاضل!”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *