حفيديتي

جوانا كانت واقفة قدام التابوت بتاع حفيدتها زينة، اللي عندها ست سنين. البيت كله كان هادي وساعات الليل الأولى بتثقل على الأجواء. في الصالون، وسط الزنبق الأبيض والشمع والورود اللي باعتينها الناس اللي كانوا مفكرين إن البنت ماتت بمرض تنفسي مفاجئ، كانت الحقيقة المرة والمرعبة مستخبية جوه الخشب المقفول. جوانا ميلت فوق التابوت عشان تطبع آخر وداع على خد الطفلة، وفجأة سمعت صوت خربشة ضعيفة وخائفة طالعة من جوه، وهمس بيتقال بوجع: “بابا قال لي لو صحيت هخرب الدنيا كلها”.
القلب وقف في مكانة، والدنيا لفت بـ جوانا. ابني طارق ومراته هند كانوا قايلين للكل إن الصغيرة ماتت بسبب عدوى مفاجئة وسريعة، والناس كلها صدقت ودخلت العزا وهي مقهورة. بس الصوت ده كسر كل الأكاذيب. جوانا بإيدين بتترعش وبكل عزم الدنيا فتحت غطاء التابوت بالعافية. ولما شلت حفيدتها ولقيتها بتتنفس فعلاً، سمعت خطوات تقيلة نازلة تجري على السلم من فوق.
الوقت كان قرب حداشر بالليل، والبيت اللي بره المدينة كان شبه مقبرة من كتر السكون. طارق وهند كانوا طلعوا أوض النوم من بدري بحجة التعب وإنهم محتاجين يناموا قبل الجنازة الكبيرة الصبح، وطلبوا من جوانا تروح بيتها، لكن إحساس الأم والجداوة منعها تسيب حفيدتها لوحدها الليلة دي. ولما رفعت الغطاء بحرص، لقت عيون زينة بتتحرك، وخدودها سخنة وملتهبة، وصدرها بيطلع نفس ضعيف وخايف. البنت كانت عايشة، بس متثبتة جوه التابوت بطريقة تمنعها من الحركة بحرية تامة.
زينة همست وهي بتبص لجدتها: “يا تيتا.. أنا كنت شاطرة وفظلت ساكتة وما عملتش صوت”. الإيدين كانت بتترعش بجنون، والمحاولات المستميتة لفك الرباط والحاجات اللي مكتفة الطفلة كانت صعبة جداً في الأول. ده معناه إن الموضوع مش مجرد غلطة في مستشفى أو تقرير طبي مزور، ده معناه إن فيه حد من جوه البيت كان عارف كويس إن زينة لسه فيها الروح ساعة ما قرر يحطها هنا. وسط التوتر والذعر، صوابع جوانا لمست تحت البطانة المبطنة حاجة ناشفة وساقعة، وطلعت مفتاح معدني صغير مخبي بذكاء تحت القماش. المفتاح اشتغل وفتح القيود.
طلعت زينة وحضنتها جامد على صدرها وهي بتترعش. في اللحظة دي، كل الأعذار الباردة والغباء اللي طارق وهند قعدوا يرددوه طول الشهور اللي فاتت رجع يتجمع في الذاكرة زي الشريط السريع: “زينة نايمة”، “الدكتور بيقول إنها محتاجة خصوصية”، “بتقلق وبتتوتر لما تشوف زوار”، “لازم تحترمي طريقة تربيتنا لبنتنا”. طول الوقت، جوانا كانت فاكومة إن هند متسلطة وإن طارق بيخاف من المشاكل والمواجهة، وكانت بتلوم نفسها وبتقول إنها حماة رخمة وزيادة عن اللزوم. لكن دلوقتي الحقيقة بقت واقع مرعب.

