تزوج ابني الأكبر فتاة لم تكن كما أريد
الفصل الأول: جدار من الجفاء
تقول الأم والدموع تحرق جفنيها:
بدأت الحكاية منذ خمس سنوات، عندما جاءني ابني الأكبر “أحمد” وعيناه تلمعان بفرحة لم أرها فيه من قبل. قال لي بلهفة: “يا أمي، لقد وجدت شريكة حياتي، الفتاة التي تمنيتها دائماً”. لكن فرحته تلك ارتطمت بجدار رفضي القاسي عندما عرفت عائلتها وخلفيتها. لم تكن الفتاة “ندى” تنتمي إلى نفس طبقتنا الاجتماعية، ولم تكن تمتلك تلك المظاهر البراقة التي كنت أتباهى بها أمام الصديقات والأقارب.
كنت رافضة تماماً، وأقمت الدنيا ولم أقعدها. لكن أحمد كان يحبها بصدق، ورأيت في عينيه رجاءً كسر قلبي؛ فلم أكن أريد أن أكون السبب في تحطيم سعادته أو أن أرفض له طلباً وهو ابني البار المطيع. وافقت في النهاية، ولكنها كانت موافقة مغلفة بالبرود وعلى مضض شديد.
تزوجا، ودخلت ندى بيتنا، لكنني لم أفتح لها قلبي يوماً. في داخلي، كان هناك صراع كبرياء أعمى. كنت أرى الفروق بيننا في كل تفصيلة، في طريقة كلامها الهادئة البسيطة، وفي ثيابها غير المتكلفة. كنت أقول لنفسي: “إنها لا تشبهنا، غريبة عن هذا البيت وستظل كذلك”.
ومع مرور الأيام، تحول هذا الشعور الباطني إلى سلوك علني قاسي، وكنت أبرره لنفسي بأنني فقط “لا أحب التكلف”. صرت أجمع زوجات أولادي الآخرين في كل مناسبة؛ في الأعياد، في الجمعات الأسبوعية، وحتى في نزهاتنا الخفيفة. كنت أتصل بهن واحدة تلو الأخرى أمام الجميع، وأتعمد أن أترك ندى خارج الدائرة، وكأنها نكرة لا تعنيني ولا تنتمي لعائلتنا. كنت أرى نظرات الانكسار في عينيها وهي تسمع عن لقاءاتنا من الآخرين، لكن كبريائي كان يمنعني من التعاطف معها.
حاول ابني الأكبر أحمد أكثر من مرة وبشتى الطرق اللطيفة أن يفتح عيني. كان يأتيني في المساء، يجلس عند قدمي ويقول لي بصوت يملؤه الرجاء: “يا أمي، ندى تحبك وتتمنى رضاكِ. أرجوكِ، عامليها مثل باقي زوجات إخوتي. لا تكسري خاطرها ولا تحرجيها أمام الناس في المناسبات، إنها زوجتي وكرامتها من كرامتي”. لكنني كنت أشيح بوجهي عنه وأقول ببرود: “أنا لا أجبر نفسي على أحد يا بني، وهي تتحمل ولم تشتكِ”. لم أكن أدرك أن صمتها كان حياءً وأدباً، وليس ضعفاً.
الفصل الثاني: ليلة انهيار العرش المزيف
مرت السنوات وأنا غارقة في وهم المظاهر، حتى جاءت تلك الليلة المشؤومة. تفجر خلاف حاد وكبير جداً بيني وبين زوجي (أبو أولادي). كانت الكلمات بيننا كالسهام المسمومة، واشتدت حدة النقاش حتى وصلت إلى طريق مسدود. في لحظة غضب عارم وعناد أعمى، صرخت في وجهه وطلبت منه الانفصال، وحزمت حقيبة صغيرة وخرجت من باب البيت وأنا أردد في نفسي بكبرياء: “سيعرف قيمتي عندما يتدخل أولادي”.
كنت واثقة تمام الثقة أن الدنيا ستقف معي. أنا “الأم” التي ضحت وعاشت من أجلهم، وكنت مقتنعة أن أولادي سيتسابقون لاحتوائي وفداء راحتي بروحهم. خرجت إلى الشارع المظلم البارد، ولم يكن لدي مكان أذهب إليه سوى بيوت أولادي.
قلت لنفسي سأذهب أولاً إلى “سهام” زوجة ابني الأصغر، فقد كنت أفضّلها على الجميع، أغدق عليها بالهدايا وأمدحها في كل مجلس، وأعتبرها أقرب إليّ من بناتي. أمسكت بهاتفي واتصلت بها، وقلت لها بنبرة حزينة ومكسورة: “يا سهام، أنا في الشارع الآن، لقد تخاصمت مع عمكِ وأنا قادمة للنوم عندكم الليلة”.
صدمتني نبرتها المستعجلة والباردة، حيث قالت بسرعة: “آه.. يا خالتي، كم أنا حزينة لسماع هذا، لكن من سوء الحظ أننا لسنا في المنزل! نحن أصلًا في بيت أهلي في زيارة عائلية خارج البلد ولن نعود قبل أسبوع كامل، ليتكِ أخبرتِنا قبل هذا!”. قفلت المكالمة وهي تعتذر باصطناع.
لكن الصدمة الحقيقية التي جعلت الأرض تميد بي، هي أنني كنت أقف على بعد خطوات قليلة جداً من مربع سكنها! التفتّ ووجدت سيارة ابني واقفة أمام المنزل، والأنوار مضاءة، بل إنني تقدمت بخطوات مرتجفة نحو النافذة السفلية وسمعت صوت ضحكتها وهي تتحدث بالداخل! كانت تكذب بدم بارد، وتتعمد إغلاق الباب في وجهي كي لا تتحمل مسؤولية وجودي أو تعكر صفو حياتها.
شعرت بطعنة في صدري، لكن كبريائي رفض الاستسلام. قلت لنفسي: “ربما سهام ارتبكت، سأتصل بابني الأوسط (هاني)”. اتصلت به، وشرحت له باختصار أنني أحتاجه وأنني في الطريق إليهم. جاءني صوته بارداً ومثقلاً بالتململ: “يا أمي، أنا أعتذر منكِ بشدة، أنا وزوجتي الآن نستعد للخروج لحضور مناسبة اجتماعية هامة جداً لعملها، وسنكون خارج المنزل لوقت طويل جداً ولن أعود إلا في الفجر.. هل يمكنكِ تدبر أمركِ الليلة؟”.
في تلك اللحظة، سقط القناع عن عيني. شعرت وكأنني صرت حملاً ثقيلاً على أولادي الذين بايعتهم بحبي وفضلت زوجاتهم. صرت عبئاً يتملص الجميع من حمله. تذكرت ندى، زوجة ابني الأكبر.. وطبعاً، لم يجرؤ عقلي حتى على التفكير في الاتصال بها. كيف أتصل بها وأنا التي أذقتها المرار وأشعرتها دائماً بأنها غير مرغوب فيها؟ كنت موقنة أنها لو علمت بحالي، ستغلق بابها في وجهي تشفياً وانتقاماً لكل ما فعلته بها.
الفصل الثالث: دموع الندم على عتبة الحق
عدت أدراجي في الشارع، أجر أذيال الخيبة المرة، وأحمل حقيبتي التي بدت أثقل من جبال الأرض. انكسرت روحي تماماً، وقلت في نفسي: “سأعود لبيت زوجي، سأعتذر له وأتنازل عن كبريائي وأتحمل أي شيء.. يكفيني ذلاً أن أولادي الذين ظننتهم سندي قد خذلوني وأغلقوا أبوابهم دوني”.
مشيت وعيوني مليئة بالدموع التي تعمي بصري، حتى اقتربت من باب منزلي. لكن ما إن رفعت رأسي حتى تجمدت في مكاني من هول المشهد الذي رأيته.
كانت هناك فتاة تقف تحت ضوء الشارع الخافت أمام باب بيتي، تروح وتجيء بقلق شديد وتفرك يديها ببعضهما من شدة البرد، كأنها تراقب الطريق منذ ساعات طويلة.
لقد كانت هي.. “ندى”! زوجة ابني الأكبر التي طالما ظلمتها.
بمجرد أن رأتني من بعيد، لم تنتظر، بل ركضت نحوي بسرعة فائقة ووجهها شاحب يملؤه خوف وقلق حقيقي وصادق. أمضت يديها بحنان واحتضنتني بقوة وهي تبكي بحرقة، وقالت بصوت مرتجف هز كياني من الداخل: “الحمد لله يا أمي.. الحمد لله أنكِ بخير! أين كنتِ؟ لقد طار عقلي من الخوف عليكِ!”.
انهرت تماماً وبكيت لأول مرة في حياتي بضعف وانكسار أمامها. سألتها وأنا أشهق: “كيف عرفتِ؟ ولماذا أنتِ هنا؟”.
قالت لي وهي تمسح دموعي بطرف ثوبها: “يا أمي، بعد أن خرجتِ من البيت، اتصل شقيق أحمد به وأخبره باستهتار أنكِ تركتِ المنزل وأنه لا يستطيع استقبالكِ لأن لديه مناسبة. أحمد اتصل بي فوراً وهو يبكي منهاراً لأنه خارج المدينة في عمل ويخاف عليكِ. حاولت الاتصال بكِ عشرات المرات، لكن هاتفكِ كان مغلقاً”.
تذكرت حينها أن هاتفي قد نفد شحنه تماماً بعد مكالمتي الثانية.
تابعت ندى وهي تشد على يدي: “منذ أن انقطع الاتصال بكِ يا أمي، نزلت أنا وزوجي نبحث عنكِ في كل الشوارع والمستشفيات القريبة، وعندما لم نجدكِ، قلت لأحمد اذهب وابحث في أحياء أخرى وسأظل أنا واقفة هنا أمام باب بيتكِ أنتظركِ، فربما تعودين في أي لحظة.. مستحيل أن أترككِ تائهة في البرد وحدكِ وأنتِ أمنا وبركتنا”.
في تلك اللحظة، انقشع الضباب عن عيني ورأيت الحقيقة العارية. أدركت كم كنت عمياء وعاصية لقيم الإنسانية. لقد أعطيت حبي وتقديري لسنوات طوال لأصحاب المظاهر الكاذبة والوجوه المزيفة التي تخلت عني في أول جولة، بينما الفتاة البسيطة التي طردتها من حساباتي وظلمتها وتركتها خارج الدائرة، كانت هي الصدر الحنون والقلب الطاهر الذي احتواني وأعاد لي كرامتي في وقت خذلني فيه الجميع.
عرفت حينها أن ابني الأكبر كان أكثرنا حكمة، وأن اختياره كان صحيحاً ونقياً كنقاء قلب زوجته. انحنيت وقبلت رأسها واعتذرت لها والدموع تغسل ذنوب الماضي، ممتنة لله الذي كشف لي معادن الناس قبل فوات الأوان.



