كنت حامل في السابع يوم ما كلمني سايس الجراج بصوت متوتر وقال: — يا مدام… لازم تنزلي تشوفي عربيتك

لينا فضلت واقفة قدام الظابط في القسم وإيديها بتترعش وهي ماسكة الموبايل. الصورة اللي قدامها كانت كفاية تقلب أي ست على وشها… كريم داخل عيادة نسا مع بريهان، وبعدها بساعة كانت هي نفسها قاعدة في نفس العيادة بتسمع نبض بنتها وتحاول تقنع نفسها إن جوازها مستقر.

الظابط لاحظ شحوب وشها وقال:
— يا مدام إنتِ كويسة؟

هزت راسها بالعافية.
لكن الحقيقة؟ كانت حاسة إن جسمها كله بيتسحب منه الدم.

بصت للفيديو مرة أخيرة.
بريهان وهي بتكسر العربية بمنتهى الكراهية.
وكريم بيتوسل إنها ماتبلغش.

لو كانت بريهان مجرد سكرتيرة مجنونة… كان زمانه أول واحد طلب الشرطة.
لكن خوفه كان أكبر من الخوف على العربية.
كان خايف من حاجة تانية.

قعدت قدام الظابط أكتر من ساعة تحكي كل حاجة.
الرسائل.
المكالمات.
تصرفات كريم الغريبة في الشهور الأخيرة.
اختفاءه المتكرر.
الفلوس اللي بقت تنقص من الحساب من غير تفسير واضح.

ولما خلصت، الظابط قال:
— هنفتح محضر رسمي. بس واضح إن الموضوع أكبر من تخريب عربية.

طلعت من القسم متأخرة.
الليل كان بارد، وبطنها بقت توجعها من التوتر.
ركبت أوبر على شقتها.
وطول الطريق كريم فضل يتصل.
١٧ مكالمة.

ما ردتش.

أول ما دخلت البيت لقيته واقف مستنيها.

كان لابس قميص أبيض مكسر ومبين عليه إنه جري بسرعة.
أول ما شافها قرب:
— لينا اسمعيني بس…

رفعت إيديها توقفه.
— هي حامل؟

سكت.

السؤال كان واضح ومباشر لدرجة إنه معرفش يلف ويدور.

قال بصوت واطي:
— الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

ضحكت بمرارة.
— الراجل اللي بيروح مع سكرتيرته عيادة نسا… المفروض أفهمه إزاي؟

كريم حط إيده على شعره بتوتر.
— بريهان كانت حامل فعلًا… بس نزلت البيبي.

الدنيا سكتت حواليها للحظة.

حتى صوت التكييف اختفى من ودنها.

— إيه؟

— الموضوع انتهى… وكانت غلطة.

غلطة.

الكلمة اللي الرجالة بيحبوا يخفوا جواها الخيانة كلها.

لينا حست بغثيان مفاجئ.
جريت على الحمام ترجع.
ولما خرجت كان كريم واقف عند الباب.

— والله كنت هقولك…

بصتله بعيون حمرا.
— إمتى؟ بعد ما تولد ابنك من واحدة تانية؟

كريم قرب يحاول يمسك إيديها لكنها بعدت بعنف.
— ماتلمسنيش.

وفي اللحظة دي بالذات…
باب الشقة خبط بعنف.

كريم اتجمد.

الخبط اتكرر.
أقوى.

ولما فتح الباب…
كانت بريهان.

شعرها منكوش.
الماسكرا سايحة.
وعينيها فيها جنون حقيقي.

أول ما شافت لينا صرخت:
— مبسوطة دلوقتي؟!

كريم مسكها بسرعة:
— إنتِ إيه اللي جابك هنا؟!

لكنها زقته بعنف.
— قولها الحقيقة كلها! قولها إنك وعدتني تتجوزني! قولها إنك قلتلي إن بنتها دي غلطة وإنك هتسيبها بعد الولادة!

لينا حست قلبها بيتقطع وهي سامعة.

مش بس خاين…
ده كان عايش حياتين كاملين.

كريم بدأ يزعق:
— إنتِ اتهبلتي؟!

لكن بريهان طلعت موبايلها ورمت صور قدام لينا.
صور ليهم في الساحل.
في أوضة فندق.
في عربية كريم.

وصورة سونار.

مكتوب عليها اسم بريهان.

— كان عندي منه ولد.

قالتها وهي بتعيط.
— وأنا نزلته عشانه… عشان قالي مستقبله هيضيع لو مراته عرفت.

لينا حست الأرض بتميد بيها.

بطنها شدت فجأة بألم قوي خلاها تمسك الكنبة.

كريم اتخض:
— لينا؟!

لكنها بعدت.
وشها شاحب.

الألم زاد.
وبعدين نزل سائل دافي على رجلها.

بريهان سكتت فجأة.

كريم بص للأرض بخوف:
— الميه… الميه نزلت.

كان لسه باقي على معاد الولادة شهرين.

لكن الصدمة…
كسرت جسمها.

كريم جري ناحيتها وهو مرعوب.
— هنروح المستشفى حالًا!

لكن لينا كانت بتبصله بكره عمرها ما عرفته قبل كده.

حتى وهي بتتوجع…
حتى وهي حاسة بنتها ممكن تضيع…
كانت عارفة إن الراجل ده انتهى.

في المستشفى دخلت أوضة الطوارئ بسرعة.
الدكاترة كانوا بيتحركوا حواليها.
أجهزة.
إبر.
أسئلة.

وفي نص الزحمة دي…
كانت سامعة صوت كريم برا بيزعق مع بريهان.

وبعدين…
سمعت كلمة خلتها تفتح عينيها فجأة.

— التحاليل.

الدكتورة دخلت بسرعة وسألت:
— جوزك فين؟

لينا قالت بتعب:
— ليه؟

الدكتورة بصتلها بتردد.
— لازم نمضي على شوية فحوصات إضافية… لأن في نتائج ظهرت عند الآنسة اللي كانت معاه قبل كده في نفس العيادة.

قلب لينا وقع.

— نتائج إيه؟

الدكتورة سكتت ثانية.
ثم قالت بهدوء:
— في احتمال وجود عدوى منقولة.

كريم كان واقف برا الباب وقتها.
وسمع الجملة.

وشه بقى أبيض بالكامل.

أما بريهان…
فانهارت من العياط.

وفي اللحظة دي…
لينا فهمت إن القصة كلها كانت أوسخ بكتير من مجرد خيانة.

بعد ساعات طويلة من التوتر، الدكاترة قدروا يثبتوا الحمل.
البنت لسه عايشة.
بس لازم راحة تامة.

كريم حاول يدخل يشوفها.

قال للممرضة:
— أنا جوزها.

لكن لينا ردت من جوه الأوضة بصوت متعب:
— قوليله يطلع برا.

لأول مرة…
ما خافتش تخسره.

لأنها فهمت إن اللي بيحبك عمره ما يحطك في حرب بالشكل ده.

تاني يوم الصبح، وهي لوحدها في أوضة المستشفى، وصلها ظرف صغير من الاستقبال.

جواه فلاشة.

من غير اسم.

فتحتها على اللاب.

وكانت الصدمة.

فيديوهات من كاميرات شركة كريم.

كريم وبريهان في مكتبه.
مكالمات.
تحويلات فلوس.
وإيميلات تثبت إنه كان بيحول فلوس من حسابات الشركة لحساب باسم بريهان.

الخيانة ماكنتش بس جواز.

كان فساد كمان.

وفي آخر الفيديو…
تسجيل صوتي لكريم وهو بيقول:

— لو لينا عرفت أي حاجة قبل ما أخلص نقل الأملاك باسمي هتبقى مصيبة.

لينا قفلت اللاب ببطء.

وبصت لبطنها.

بنتها اتحركت حركة خفيفة.

ولأول مرة من شهور…
ابتسمت.

مش عشان مبسوطة.

لكن لأنها أخيرًا بطلت تبقى الضحية الساذجة اللي الكل فاكر إنه يقدر يخدعها.

بعد أسبوعين خرجت من المستشفى على كرسي متحرك.
وأول حاجة عملتها…
إنها رفعت قضية.

طلاق.
خيانة.
وتبديد أموال.

كريم اتجنن.

فضل يبعت رسايل:
“هنتفاهم.”
“ماتهدميش البيت.”
“فكري في بنتنا.”

لكن لينا كانت خلصت.

البيت اللي بيتبني على كدب…
مايستاهلش يتسمى بيت أصلًا.

بعد شهور، قضية الشركة انفجرت.
اسم كريم نزل في الأخبار.
الشركاء سحبوا نفسهم.
وأهله حاولوا يداروا الفضيحة.

أما بريهان…
فاختفت تمامًا.

وفي ليلة هادية، بعد ولادة بنتها بشهر، كانت لينا قاعدة جنب السرير الصغير بتاع البيبي، تبص لملامحها الصغيرة وهي نايمة.

موبايلها رن.

رقم غريب.

ردت بحذر.

وجالها صوت بريهان…
مكسور وضعيف.

— أنا آسفة.

لينا سكتت.

وبريهان كملت بعياط:
— كنت فاكرة إنه بيحبني… زي ما كنتِ فاكرة بالظبط.

لينا قفلت عينيها للحظة.

ثم قالت بهدوء:
— إحنا الاتنين اتخدعنا… بس أنا الوحيدة اللي قررت أنقذ نفسها.

وقفلت الخط.

وبصت لبنتها.

وضمتها لصدرها.

وفي اللحظة دي…
وسط التعب والخيانة والوجع…
حست إنها أخيرًا بدأت حياة جديدة تستحقها فعلًا.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *