اكتشفت بالصدفة إن جوزي وأمه وأخته قاعدين بيخططوا يسرقوا 150 ألف جنيه
## قصة: لما كشف الحساب ييجي في وقته!
اكتشفت بالصدفة إن جوزي وأمه وأخته قاعدين بيخططوا يسرقوا 150 ألف جنيه من حسابي وأنا واقفة ورا باب المطبخ.. بس اللي ماكانوش يعرفوه إنني محاسبة، وإن كشف الحساب لما بييجي في وقته بيكشف كل حاجة! لما كشف الحساب ييجي في وقته!
جرى إيه يا حازم.. جمد قلبك كده وخليك راجل!.. ده كان صوت حماتي، الحاجة فادية، وهي بتتكلم بنبرة كلها سم من النوع اللي الناس بتسميه خوف أم مأصل. مرتك رانيا دي مقرقشة وصاحبة لفت ومصالح محاسبة بقى، وبتقلب القرش وعينها على كل مليم وبتحوش الفكة فوق الفكة. إنما أختك هناء غلبانة ومحتاجة الفلوس دي أكتر منها دلوقتي.. البت قاطعة شحن، والمشروع اللي فتحته في السوق خسران وفي غرامات وحاجات وعليها عجز…
أنا اتسمرت مكاني في ورندة البيت الصيفي الشاليه، وكان في إيدي طبق بلاستيك كبير مليان فحم ليمون كنت بغسله. الستارة التل القديمة اللي على شباك المطبخ كانت بتتحرك مع الهواء، ومخلية كل كلمة واصلة لودني بوضوح تام.
يا أمي، بس دي فلوس رانيا!.. ده كان صوت جوزي حازم، صوته كان طالع هبطان وميت وزي البلونه اللي فست. ده حافز الربع سنوي بتاعها.. وكنا متفقين هنجيب بيه سيراميك للحمام نوع مستورد إسباني ونضيف، ولقينا عليه عرض لقطة.
وهو السيراميك هيطير يعني؟!.. هنا هناء الغلبانة إياها دخلت في الكلام، وكنت سامعة صوت بؤها وهو بيقرقش البسكوت بتاعي. أنا دنيتي بتتهد يا حازم.. يا حوما، أنا كل اللي محتاجاه مية وخمسين ألف جنيه بس.. هسد بيهم الديون وأقف على رجلي تاني. أنا لقيت سبوبة جديدة لقطة هشتري لبس فينتدج وقديم براندات وأعيد بيعه، الموضوع ده هو اللي ماشي ومكسر الدنيا دلوقتي وجايب همّه!
موضوع إيه وتوجه إيه يا هناء؟ حازم تنهد وقال لها هو إحنا نسينا السنة اللي فاتت لما قلتيلي مشروع مزارع الحلزون هو اللي مكسر الدنيا؟ قعدنا تلات شهور نلم في قواقع من الجنينة والزرع!
جرى إيه يا حازم متقعدش تذلني بقا وتعايرني بلي فات! هناء زعقت بصوت مسرسع. أمي! قولي له حاجة! رانيا مش هتحس بحاجة أصلاً لو قلت لها إن المقاول والعمال غلوا الأسعار.. إنت مهندس ومقاول يا حازم، اضرب لها مقايسة وأي فواتير مضروبة وخلاص! هي حمارة في شغل المقاولات ومبتفهمش فيه حاجة، حتى لو كانت بتنام والآلة الحاسبة في حضنها.
عند النقطة دي بالذات، في حاجة جوايا نقحت عليا. مش زعل ولا قهر لأ خالص. كان شعور أشبه بالنشوة والبرود المهني اللي بيحس بيه الجراح المحترف قبل ما يدخل عملية معقدة.
حطيت طبق الفحم على الدكة، ومسحت إيدي في المريلة، وعديت لحد ثلاثة في سري، ودخلت المطبخ رِجل ورا رِجل.
المشهد جوه كان عامل زي لوحة مسرحية متثبتة. حازم كان قاعد وموطي راسه بيبص في كباية الشاي. والحاجة فادية بجسمها المليان وجلابيتها البيتوتية المنقوشة بورد فاقع كانت واقفة فوق دماغه وزي ما تكون غيمة سودا ومغيمة على الحتة كلها. أما هناء، فكانت قاعدة بشورت ضيق ميسنهاش وخالص، وعاملة كحكة مبهدلة في شعرها، وعمالة تقلب في الموبايل وبتفش غلها وأكلها في البسكوت بالشوفان اللي أنا خابزاه بإيديا.
وفي الزاوية بقا، زي البيانو اللي محطوط في وسط الغيط ملوش أي لازمة، كانت قاعدة جارتنا طنط ميرفت. عينيها الصغيرين كانوا عمالين يروحوا وييجوا بين الموجودين زي كورات القرعة. الست دي بالذات مستحيل تفوت لقطة من غير ما تروح تفرشها ملاية وتسيح بيها في جمعية إسكان المغتربين والمنطقة كلها.
أوه، رانيا حبيبتي! حماتي أول ما شافتني بدلت جلدها في ثانية، واتحولت من خطة الهجوم للهجة سكر وعسل إحنا بس بنشرب الشاي.. قوليلي، الفحم والفاكهة استوت بره؟
استوت وبقت زي الفل يا حاجة فادية، أنا قلتها وأنا بحط البراد على البوتاجاز وبخبط الغطا بتاعه في الجسم جامد عمدًا عشان أعمل صوت عالي. ومش الفاكهة بس اللي استوت.. أنا شايفة إن في خطة بيزنس كاملة بتستوي هنا على نار هادية عشان تطوير ميزانيتي الخاصة.
السكوت نزل على المطبخ فجأة، ومكنش مسموع غير صوت دبانة كبيرة عمالة ترزع في زجاج الشباك عايزة تخرج. حازم كش وضم كتافه لبعض.
يعني كنتِ بتتصنتي علينا؟ هناء هجمت عليا عل طول وبقلة ذوق يا فتاح يا عليم.. دي قلة أدب على فكرة!
رديت عليها بكل برود وهدوء وأنا بطلع برطمان العسل من الدولاب: أنا مابتصنتش.. أنا بعمل مراجعة وتدقيق للمعلومات الواردة. وبالنسبة لموضوع المقايسة المضروبة يا حازم.. دي المادة 336 من قانون العقوبات المصري جري..مة النصب والاحتيال. طبعاً الست مش هتروح تبلغ عن جوزها وتعمل فيه محضر، بس الثقة دي أصل غير متجدد. زي السمعة التجارية للشركات بالظبط. إنت عندك فكرة يعني إيه سمعة تجارية؟
وش حازم احمر لدرجة إنه بقى شبه الطماطماية المستوية المفعصة من الكسوف.
هنا بقى المدفعية الثقيلة تدخلت حماتي العزيزة. قررت تلعب بآخر كارت معاها الحِكم والأفكار المضروبة اللي بتلقطها من برامج التلفزيون الصباحية.
رانيا، إنتِ مادية وباصة تحت رجلك قوي! الحاجة فادية رفعت صباعها للسقف، في اتجاه شريط الدبان الملزق. الفلوس دي طاقة! لو قفشتي عليها ومنعتيها عن دمك وأهلك، هتقفلي مسارات طاقة الرزق وتمنعي التدفق عن العيلة كلها! والأمراض النفسجسمية السيكوسوماتيك هتعاقبك. تفتكري ضهرك بيوجعك من إيه؟ ده من ثقل الطمع والشح اللي كابسين على نفسك!
وفي الركن، طنط ميرفت الجارة كانت عمالة تهز راسها بحماس وعينها هتطلع من مكانها من كتر التركيز.
لفيت لحماتي بالراحة، وابتسمت لها نفس الابتسامة الباردة اللي ببتسمها لمفتش الضرائب وهو بيعمل فحص للشركة: يا حاجة فادية، ضهري بيوجعني من القعدة بالساعات على مكتب الشغل ومن شيل هم قسط الشقة اللي دافعين دم قلبنا فيه، في الوقت اللي هناء عمالة تدور فيه على مسارات الطاقة والتدفق. وبالنسبة للأمراض.. إنتِ خلطة بين الدجل والشعوذة وبين الطب البشري العادي. الغضروف والخشونة بيتعالجوا بالعلاج الطبيعي ومرتبة طبية مريحة، مش بإننا نرمي فلوسنا في الأرض. وعلى فكرة بقى، انسداد طاقة الرزق ده بيحصل عادة بسبب الجهل المالي وعدم الوعي، وعادة العيشة في مستوى أعلى من الدخل. أي خبير اقتصاد هيقولك كده مش محتاجة منجم ولا فتاح كوتشينة.
حماتي فتحت بقها عشان ترد، بس الكلمات وقفت في زورها. حاولت فجأة تمثل إن جالها أزمة قلبية وحطت إيدها على صدرها بس إيدها خانتها ونزلت تحت شوية لغاية بطنها، وفي اللحظة دي بطنها طلعت صوت كركبة عالي ومحرج جداً بسبب كتر الأكل. شهقت بشكل غريب وقعدت على الكرسي هبد، لدرجة إن كوعها خبط سكرية الشاي. كان شكلها عامل زي بلونة هواء كبيرة فست وبتحاول تهبط في وسط الضباب.
وجيت لافة وشي لأخت جوزي وقلت لها: هناء، بالنسبة لموضوع الهدوم القديمة والبراندات.. كلام جميل ويحمس. بس لو ناوية تبيعي وتشتري، لازم تسجلي نفسك إما كعمل حر أو تفتحي سجل تجاري وبطاقة ضريبية. ناوية تدفعي ضرائب الدولة؟ ولا هقعد أنا ألف وراكي تاني وأسدد في غراماتك زي المرة اللي فاتت بتاعة المكياج الطبيعي لما نص الزباين وشهم اتسلخ وجالهم حساسية؟
هناء نفخت ولوت بوزها ودارت عينيها لفوق بحركة درامية: أوف.. إنتِ خنيقة ومملة قوي يا رانيا! إحنا في عصر البراند الشخصي! أنا مشتركة في كورس تجلي الأهداف.. والكوتش بتاعي قال إن أهم حاجة التصديق والتخيل. الكون ده مليان خير ورزق واسع! أنا بتتخيل المليون جنيه وهي هتيجي لوحدها. إنما إنتِ بالأرقام والتعقيد بتاعك ده بتهبطي لي الذبذبات والإيجابية.
التخيل ده شيء عظيم وجميل، هزيت راسي وأنا بصب لنفسي كباية شاي. بس الكون ده، لسبب ما، بيتعامل بنظام الدفع مقدماً. والكوتش بتاعك ده غالباً عايش ومروق حاله بفلوس الناس الحليمة اللي زيك. عشان تعملي قيمة مليون جنيه، لازم تقدمي للمجتمع خدمة أو منتج يساوي مليون جنيه. لغاية دلوقتي إنتِ ما بتعمليش حاجة غير الخساير. وبعدين حسب قانون حماية المستهلك، بيع الملابس المستعملة من غير شهادات تعقيم وتطهير ورخص ممكن يوديكي في داهية ويجيلك غرامات. إنتِ جاهزة بقا لمفتشين البلدية والتموين؟
هناء اتخضت وإيدها اتهزت وهي ماسكة الماج بتاعها. الشاي السخن دلق مباشرة على الشورت المودرن اللي هي لابساه.
آآآخ! سخن! صرخت وقامت تنط وتعمل رقصة مضحكة، وعمالة تنفض في نفسها زي الجرادة اللي طيرها الهواء. كان شكلها عامل زي الفرخة اللي بتحاول تطير وبعدين افتكرت إن الجاذبية الأرضية مابتخدش إجازة في الويك إند.
طيب، أنا قلتها وأنا بحط كباية الشاي على الترابيزة. رنة الخبطة بتاعة الكباية الصيني على الخشب كانت قوية وزي خبطة شاكوش القاضي في المحكمة. إحنا هنشتري السيراميك بكرة. يا حازم، الفيزا معايا.. وأنا غيرت الرقم السري بتاعها الصبح قلبي كان حاسس.
طنط ميرفت الجارة، لما لقت إن الخناقة قلبت لقرارات عملية ومفيش حد هيشد في شعر التاني ولا في فرجة، قررت ترمي كلمتين وتمشي: يا بنتي يا رانيا، إنتِ شديدة عليهم قوي كده ليه.. دول أهل وأهل جوزك برضه.. وبعدين المركب اللي برئيسين تغرق، والراجل هو الراجل…
طنط ميرفت، قاطعتها بكل أدب بس بحسم شديد: المركب بتمشي بالأصول والإدارة الصح، والأمان المالي للعيلة بيجي بالتخطيط الواضح ومش بإننا نربي ناس تانية تتطفل علينا. وبالمناسبة بقى المادة 309 مكرر من قانون العقوبات بتتكلم عن انتهاك حرمة الحياة الخاصة. وبقولك كده عشان تفتكريها وإنتِ بتتكلمي عن ميزانية بيتنا مع الجيران بره عند الحنفية وعم حارس.
الست اتشرقت في حتة البسكوتة وقامت تجري وهي بتلم حاجتها وشنطتها: يا لهوي! الكوسة على النار هتتحرق!
أول ما الباب اتقفل وراها، المطبخ بقى هادي. هدوء حقيقي ونضيف.
أمي.. هناء، حازم أخيراً رفع عينه وبص لهم. كان في عينيه ميكس غريب بين الكسوف والخزي.. وبين الراحة. هو غالباً مكنش عايز يضحك عليا ولا يسرقني بس مكنش عنده الظهر والشخصية اللي يقدر يقول بيها لأ لأمه وأخته: رانيا عندها حق. مفيش حورات ولا لف ودوران. لو عايزة تعملي مشروع يا هناء انزلي اشتغلي وحوشي قرشين وابدأي بيهم. أنا مش دافع ولا ميسر لك أي حاجة تاني.
خاين وبياع، هناء برطمت وهي بتجز على أسنانها بس بصوت واطي ومكسور من غير حيل.
الحاجة فادية قامت وقفت في صمت، وعدلت جلابيتها بهيبة أو الهيبة اللي هي متخيلاها في دماغها، ومشيت في اتجاه الباب: يلا بينا يا بنتي.. إحنا ملناش عيش هنا.. الناس هنا مابتجبش غير.. الآلات الحاسبة.
الحب هو الرعاية والأصول يا حاجة فادية، ندهت وراهم بصوت عالي: والرعاية دي معناها إننا مانسيبش الناس اللي بنحبهم يرموا نفسهم في بير ديون ملوش آخر.
بالليل، قعدت أنا وحازم في نفس الورندة. قعد ساكت فترة طويلة، وبعدين مد إيده وحطها فوق إيدي. كفه كان خشن ودافي كف راجل شقيان وتعبان في شغله، وكان بس مهدود حيله من كتر ما بيحاول يرضي كل الأطراف ويكون طيب مع الكل.
أنا آسف يا رانيا.. ضعفت.
حصل، رديت عليه وأنا مشامحة إيدي من تحت إيده. بس افتكر الكلمة دي كويس يا حازم. عندنا في المحاسبة في مصطلح اسمه اختلاس وتبديد أموال. الناس بتدخل السجن بسببه. وفي البيوت، الناس بتتطلق بسببه. اعتبر ده آخر تقرير مالي ونصيحة ببلاش.
هز راسه بالموافقة. وأنا قعدت أبص لمنظر الغروب، وبفكر في سري إن ساعات لما تكوني محاسبة قفيلة ومملة أحسن بمليون مرة لراحتك ونفسيتك وصحة بيتك من إنك تكوني ست عاقلة ومطواعة من بتوع الحكايات القديمة اللي بتخرب البيوت.
والسيراميك بتاعنا هيطلع جنان. إسباني فرز أول.


