حكايه مراد ونور للكاتبه ميمو صلاح

مراد قاطعها بهدوء وهو بيمد إيده على المكتب: “هاتي الدوسيه يا نور.”
نور استغربت إنه عرف اسمها، يمكن قرأه على غلاف الدوسيه. اتقدمت بخطوات تقيلة، وحطت الدوسيه قدامه وإيديها بتترعش من الخوف والكسوف.
مراد فتح الدوسيه. كان جواه قرار إنه هيمضي الموافقة فوراً من غير ما يبص في التفاصيل، شجاعتها ودموعها كانوا كفاية. مسك القلم الذهبي بتاعه ولسه هيوقع، عينه وقعت على صورة شخصية قديمة شوية محطوطة في ظرف شفاف جوه الدوسيه. صورة لحنين وهي بيبي، ومعاها ست كبيرة ملامحها هادية وطيبة.
مراد ملامحه اتغيرت ١٨٠ درجة. القلم وقع من إيده على المكتب بصوت مكتوم. هدوءه اتبخر تماماً، ووشه شحب فجأة كأنه شاف شبح.
مسك الصورة وقربها من عينه، أنفاسه سريعة، وبص لنور بنظرة صدمة مرعبة خلت قلبها يقع في رجليها: “الصورة دي.. الست اللي شايلة حنين دي.. تبقى مين؟” قالها بصوت مهزوز لأول مرة.
نور بلعت ريقها بخوف من شكله اللي اتغير فجأة: “دي.. دي أمي.. ماتت من ٥ سنين.”
مراد قام وقف فجأة، الكرسي رجع لورا بعنف وخبط في الحيطة القزاز وراه. عروق رقبته برزت، ومسك الصورة بإيد بتترعش بوضوح.
“أمك؟” صوته طلع كأنه طالع من بير عميق: “أمك إسمها ‘زينب الرشيدي’؟”
نور برقت عينيها بصدمة أكبر، جسمها كله اتنفض: “إنت.. إنت عرفت اسم أمي منين؟! محدش يعرفنا هنا!”
مراد مقدرش ينطق.. ساب الصورة من إيده، وفتح درج مكتبه بسرعة كأنه بيدور على روحه، طلع منه سلسلة فضة قديمة جداً، وفتحها بإيد بتترعش.. كان فيها صورة صغيرة.. نفس الست اللي في الصورة بالظبط!
بص لنور وعينيه اللي كانت قاسية وباردة من ثواني، بقت مليانة دموع محبوسة وذهول هز كيانه كله، وقال كلمة واحدة بصوت مخنوق قلبت الدنيا فوق دماغهم هما الاتنين: “عشان زينب دي… تبقى أمي التانية.. الست اللي ربتني وكانت حتة من روحي.. دادة زينب!”
نور كانت واقفة مش قادرة تستوعب اللي بتسمعه، عينيها بتتحرك بين وشه المصدوم والسلسلة اللي في إيده، هزت راسها بنفي متواصل: “إنت بتقول إيه؟ دادة إيه؟ أمي عمرها ما اشتغلت خدامة عند حد! أمي كانت مدرسة.. إنت أكيد غلطان.. أكيد في شبه!”
مراد خبط بإيده على المكتب بعصبية خلت نور ترجع خطوة لورا بخوف، وصرخ بصوت مكتوم مليان وجع سنين: “أنا عمري ما أنسى ملامحها! الست دي عاشت في قصر الألفي ١٥ سنة.. كانت هي اللي بتأكلني وتنيمني.. كانت بتخبيني في حضنها لما أبويا كان بيضربني ويعاقبني في الضلمة! وفي ليلة.. رجعت ملقيتهاش.. طردوها في عز المطر في الشارع ورموها بره كأنها حتة قماشة قديمة.. قلبت عليها الدنيا سنين، كأن الأرض انشقت وبلعتها!”

