الطلاق حكايات صافي هاني

ومشينا كل واحدة في طريق، من غير كره، من غير خصام، لأن بعض الناس بيخرجوا من حياتنا مش عشان نفضل نكرههم… لكن عشان نتعلم نعيش من غيرهم.

بعد فترة، أحمد اتصل. ما رديتش أول مرة، اتصل تاني، رديت: “أيوه.” قال: “مريم.” “نعم؟” “كنت عايز أشكرك.” استغربت: “على إيه؟” “إنك ما حاولتيش تنتقمي.” سكت، قال: “كنت متوقع إنك بعد اللي حصل هتدمري حياتي.” قلت: “أنا كان ممكن أعمل كده.” “عارف.” “بس أنا اكتشفت إن الانتقام بيخلينا نفضل عايشين في نفس الحكاية.” سكت، فأكملت: “وأنا عايزة أخرج منها.” قال: “أنا آسف.” قلت: “خلاص يا أحمد.” “خلاص؟” “أيوه.” “يعني سامحتيني؟” فكرت لحظة: “سامحتك.” سكت، وبعدين قلت: “بس ده مش معناه إني عايزة أرجع.” قال: “عارف.” “أنا مش نفس مريم اللي خرجت من بيتك بشنطها.” قال: “أنا عارف.” “ومش عايزة أبقى هي تاني.” قال: “ربنا يوفقك.” “وإياك.”

قفلت، وحطيت الموبايل على الترابيزة. بصيت للشباك، الدنيا كانت بتمطر. ابتسمت؛ لأول مرة المطر ما فكرنيش بالليالي اللي كنت بعيط فيها، فكرني إن كل حاجة ممكن تتغسل، حتى الذكريات.

بعد كام أسبوع، كنت قاعدة في البلكونة، وصلني ظرف بالبريد. فتحته، كان من المحامي، جواه نسخة من آخر مستند خاص بالبيت، وفيه جملة صغيرة مكتوبة بخط والد أحمد كانت اتضافت في نهاية المستند: «مريم لم تكن ضيفة في هذا البيت يومًا، لكنها اختارت أن تخرج منه بكرامتها.»

فضلت باصة للجملة وقت طويل، وبعدين دموعي نزلت؛ مش عشان أحمد، ولا عشان البيت، عشان أنا… عشان البنت اللي دخلت البيت ده من سبع سنين وهي فاكرة إن الأمان معناه إن حد يحبها، وبعد سبع سنين خرجت وهي عارفة إن الأمان الحقيقي… إنها تعرف قيمة نفسها.

قفلت الظرف، وقفت، دخلت الشقة، وفتحت باب أوضتي. بصيت حواليّ: كل حاجة جديدة، كل حاجة اخترتها أنا؛ الأثاث، الستائر، الألوان، حتى مكان السرير. ولا حاجة فيها ذكرى مؤلمة. قعدت على السرير، وأخيرًا حسيت براحة… مش انتصار، راحة، وده كان أهم بكتير، لأن الانتصار بيحتاج حد تخليه يخسر، أما الراحة فمش محتاجة غير إنك تسيب اللي وجعك وراك.

وفي اليوم اللي ناهد حطت فيه شنطي على الرصيف وقالتلي: «يلا يا مريم، خدي حاجتك وامشي»، كنت فاكرة إنها بتخرجني من حياتهم، لكن الحقيقة إنها كانت بتفتحلي الباب لحياتي أنا. خرجت من بيتهم مكسورة، لكن رجعت لنفسي… رجعت أقوى. وأهم حاجة… إني ما رجعتش أدور على مكاني في حياة حد، أنا عملت لنفسي مكان، مكان محدش يقدر يطردني منه، ولا يخوفني عليه، ولا يهددني بفقدانه.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *