بيت نوال حواديت توتا

سماح بصت للدهب شوية وبعدين قالت بهدوء: “لو ده هيساعد ماما… ارهنه.”

حسن بص لها باستغراب: “ده دهبك يا سماح… إنتي تعبتي عشان تجيبيه.”

ابتسمت وقالت: “الدهب يتعوض… إنما أمك ملهاش بديل.”

نوال كانت واقفة في الطرقة وحاطة إيدها على بوقها عشان تمنع شهقتها والدموع نزلت من عينيها. في اللحظة دي فهمت الحقيقة: ولادها اللي عندهم الملايين ماكانش عندهم مكان لأمهم، لكن ابنها اللي مش لاقي شغل كان مستعد يرهن دهب مراته كله عشان أمه ما تنامش جعانة ولا تحس إنها لوحدها.

رجعت نوال أوضتها من غير ما حد يحس، قعدت على السرير وفتحت شنطتها السودا كانت بتدور على صورة قديمة لجوزها، لكن إيدها وقعت على حاجة تانية: ظرف قديم لونه أصفر من كتر السنين وعليه اسمها مكتوب بخط إيد جوزها الراحل محمود.

إيدها بدأت تترعش، واللي مكتوب تحت اسمها كان أخطر بكتير، خمس كلمات بس خلّوا قلبها يدق بسرعة: “افتحيه بس لو خسرنا كل حاجة.”

نوال فضلت باصة للظرف وهمست: “إنت كنت مخبي إيه يا محمود؟” وهي لسه مش عارفة إن الجواب ده مش بس هيكشف سر قديم، ده كان هيكشف حقيقة تخلي ولادها الأغنيا نفسهم يتمنوا إنهم ما طردوهاش من بيوتهم!

فضلت نوال قاعدة على طرف السرير والظرف الأصفر في إيدها ومش قادرة حتى تفتحه؛ من ساعة ما البنك أخد بيتها الصبح وهي حاسة إن الدنيا كلها بتتسحب من تحت رجليها. البيت اللي عاشت فيه أكتر من تلاتين سنة، الحيطان اللي شهدت ضحك ولادها وهم صغيرين، المطبخ والممر.. كل ده بقى ملك البنك، ومع ذلك ما كانتش متوقعة إن اللي هيوجعها أكتر من فقدان البيت هو إن ولادها نفسهم يبقوا أول ناس يقفلوا أبوابهم في وشها، بينما حسن فتح لها بابه من غير حتى ما يسألها ومستعد يرهن دهب مراته عشانه.

نوال بصت للظرف وهمست: “إحنا خسرنا كل حاجة يا محمود…” وبإيد مرتعشة فتحت الظرف وطلعت ورقة مطوية بعناية.

أول سطر كان: “لنوال… لو إنتي بتقري الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مش موجود، والبيت اللي تعبت عمري كله أبنيه بقى مهدد يضيع.”

نوال حطت إيدها على قلبها وكملت القراءة: “بس قبل ما تفتكري إن أولادنا هما اللي هيرثوا كل حاجة، لازم تعرفي إن اللي بنيته مش كان مجرد بيت.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *