دهب اخت جوزى حكايات رومانى مكرم

وصل مصطفى من المطار في ليلة دافئة، واستقبلته الشقة الجديدة بالزغاريد والضحكات التي غابت عن أركانها طويلاً. لم يكن مصطفى العائد هذه المرة هو ذلك الرجل المتجهم المشحون بالطمع والخوف؛ بل كان وجهه مشرقاً ببركة الحلال، وعيناه تفيضان بالرضا.

في اليوم التالي، جمع مصطفى العيلة كلها في صالتنا الكبيرة. كانت سعاد تجلس وبجوارها بكار وأخته، وأنا والعيال نلتف حولهم، والقهوة والحلويات تملأ الطاولة. وقف مصطفى وسط الصالة، وطلب من الجميع السكوت، ثم أخرج من حقيبته الجلدية أوراقاً رسمية ومظروفاً أنيقاً ومخملياً، ووضعه في يد أخته سعاد.

نظرت سعاد للمظروف بحيرة وق قالت: “إيه ده يا مصطفى؟ أنت سددت الـ 12 جرام وزيادة، والحمد لله الذهب رجع في أيدي ورزق اليتامى محفوظ، إيه الأوراق دي كمان؟”

ابتسم مصطفى وربد على يد أخته بحنان وقال: “الأوراق دي يا سعاد هي العقد الجديد لمزرعة دواجن ومواشي صغيرة في بلدنا هنا في مصر، الأرض اشتريتها والترخيص اتطلع باسمك وباسم بكار وعيالك. الشراكة الإيطالية جابت خير كتير والحمد لله، وأنا قررت إن أول مشروع استثماري نعمله في مصر يكون ملك لعيال أخويا الأيتام، بجهدي وإدارتي، وأرباحه تتسجل باسمهم عشان يضمنوا مستقبلهم لما يكبروا.”

ثم فتح المظروف المخملي، ليظهر منه عقد شقة جديدة باسم سعاد في البناية المجاورة لشقتنا، شقة ملك بداخلها كل ما تحتاجه هي وأولادها لتخرج هي الأخرى من ضيق الإيجار وحسرة السنين!

دمعت عين سعاد وسقطت الدموع على خدودها، ولم تستطع أن تتكلم من شدة الفرحة والصدمة. قام بكار الصغير وقبل رأس خاله، وقال بصوت فخور: “ربنا يخليك لينا يا خالو.. أنت بجد السند.”

نظرت سعاد لأخيها وقالت وهي تمسح دموعها: “أنا ما كانش يهمني غير إنك ترجع لي يا مصطفى.. ترجعلي أخويا الحنين اللي صنت دمي. الفلوس والذهب يروحوا ويجوا، لكن وجودك جمبي بالدنيا كلها.”

أدرك مصطفى في تلك اللحظة أن الـ 100 جرام ذهب لم تكن مجرد سلفة مالية، بل كانت اختباراً إلهياً لقلبه وضميره. اختباراً أثبت له أن البركة لا تأتي بالأرقام والحسابات الضيقة، بل تأتي بنقاء النية، ورد الأمانات لأصحابها، ورضا الأيتام.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *