دهب اخت جوزى حكايات رومانى مكرم

سجد مصطفى على أرض الصالة سجدة شكر طويلة، يتعالى فيها صوته بالبكاء، كأن كل الهموم التي تراكمت على صدره منذ لحظة طمعه في ذهب أخته انزاحت في تلك اللحظة.

خلال أيام معدودة، بدأت الإجراءات. لكن مصطفى هذه المرة لم يكن ذلك الرجل المغرور الذي تعميه المادة؛ بل كان إنساناً آخر تعلّم الدرس من القاع. أول خطوة خطتها قدماه قبل حجز تذكرة الطيران، كانت الذهاب إلى شقة أخته سعاد.

دخل مصطفى الشقة، وكانت سعاد تجلس مع ابنها بكار يراجع دروسه. أخرج مصطفى من جيبه مظروفاً فيه عقد ابتدائي وتفويضاً رسمياً، وحطه قدام أخته وقال لها بنبرة ملؤها الاحترام: “يا سعاد.. ربنا فتحها عليا تاني ومن وسع، وأنا مسافر إيطاليا كمان أسبوعين بصفتي شريك مش مجرد عامل. العقد ده تفويض بثلث أرباحي اللي هتوصل شهرياً للبنك، تدخل حسابك فوراً لحد ما الـ 12 جرام المتبقيين يتردوا دهب زي ما اتفقنا، وفوقهم إكرامية لعيال أخويا.. وعهد عليا قدام ربنا، مش هيدخل بيتي مليم إلا لما تكوني أنتِ وعيالك شبعانين ومرضيين.”

سعاد بصت لأخوها، والابتسامة الصافية عادت لعلامات وجهها، وقالت له بصوت دافئ: “أنا مش عاوزة غير سلامتك يا مصطفى، وأنك تفضل السند اللي أرفع راسي بيه. الـ 12 جرام هيرجعوا لما ربنا ييسرها، وأنا أدعي لك في كل صلاة إن ربنا يفتحه عليك ويردك لينا سالماً.”

قبّل مصطفى رأس أخته وإيدها، وأخذ بكار في حضنه ووعده إنه هيجيب له معاه أفضل الأجهزة لما يرجع في الإجازة. المرة دي، كانت العيلة متجمعة على صفاء، مفيش غش، ولا طمع، ولا دعوة مظلوم تتشال في القلوب.

جاء يوم السفر.. جهّز مصطفى شنطه، وودعنا أنا والعيال في المطار بدموع الفرحة والرجاء، وسافر وهو حاسس إن دعوات سعاد ونقاء نيته المرة دي هما الشراع اللي هيحرك سفينته في الغربة.

مرت ستة أشهر كأنها نسيم.. كان مصطفى يعمل في إيطاليا بجد وإخلاص، يرسل لنا المصاريف بانتظام، ويرسل لسعاد حقها كاملاً غير منقوص حتى اكتملت قيمة الـ 12 جرام المتبقية وزيادة، واشترت سعاد بها قطعاً ذهبية جديدة أضافتها لأمانة أطفالها، وعادت البسمة لبيتها الصغير.

وفي يوم من أيام الشتاء الدافئة، تلقت سعاد مكالمة من مصطفى يخبرنا فيها بموعد نزوله في إجازته الأولى بعد الشراكة الجديدة. كانت الشقة الجديدة التي سكنّاها تزينت واستعدت لاستقباله، والكل منتظر عودة “مصطفى الجديد”.. لكن الإجازة دي كانت شايلة معاه مفاجأة كبرى للعيلة كلها، مفاجأة لم تكن في حسبان سعاد ولا في حسبان أي حد فينا!

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *