يوم ما كنت حامل في توأم وجالي وجع الولادة كان لا يطاق، طلبت من جوزي يوديني المستشفى

كان الوجع بيقطع في أحشائي وكأنه سكاكين حامية بتنهش في جسمي، وصوت جرس الباب رن وكأنه نداء استغاثة من عالم تاني. حاولت أجمع باقي قوتي، زحفت على إيدي وركبي تجاه الباب، والدموع كانت مغرقة وشي من كتر الوجع اللي مش قادرة أوصفه. كل حركة كانت بتكلفني صرخة مكتومة، وكل نفس كان بيزيد من احتمالية إن ولادي بيموتوا جوايا. لما وصلت للباب، كان جوزي “طارق” ووالدته “نادية” وأخته واقفين ورا الباب، طارق كان بيفتح القفل بمفتاحه وهو بيضحك على حاجة أمه قالتها. أول ما الباب اتفتح، سقطت قدامهم على الأرض وأنا مش قادرة أنطق، كان المنظر كفيل إنه ينهي أي ضحك في اللحظة دي. طارق اتجمد في مكانه، الشنط وقعت من إيده على الأرض، ونادية شهقت برعب وهي بتبص للدم والمية اللي كانوا محاوطين مكاني على السجادة النضيفة. مشهد الرعب مكنش في ولادتي بس، لكن في الحالة اللي لقوني عليها، كنت خلاص فقدت الوعي تقريباً، وجسمي كان بادئ يبرد، لكن عيني كانت لسه مفتوحة بتبص لهم بكسرة ونظرة لوم مش هينسوها أبداً.

طارق فاق من صدمته وبدأ يصرخ باسمي ويحاول يشيلني، لكن نادية كانت لسه واقفة مصدومة، بتحاول تستوعب إن “التمثيل” اللي كانت بتقول عليه اتحول لحقيقة قدام عينيها. في لحظة الضعف دي، لقيت نفسي بستجمع كل قوتي، مش عشان أطلب منهم المساعدة، لكن عشان أتحمل اللي جاي. الإسعاف وصلت بعد دقايق، طارق كان بيعيط زي العيال الصغيرة وهو ماسك إيدي في العربية، بيحاول يعتذر، بيحاول يبرر، لكن الكلمات كانت ميتة. في المستشفى، الدكاترة دخلوني العمليات فوراً، كانت حالة طوارئ قصوى، حياتي وحياة التوأم كانوا متعلقين بخيط رفيع. قضيت ساعات في عالم تاني، عالم مليان أوجاع وذكريات، كنت بشوف فيه كل لحظة إهانة عشتها مع “نادية”، وكل لحظة خذلان من طارق اللي كان بيشوفني بنتهك كرامتي وبيختار أمه في كل مرة.

لما فتحت عيني، لقيت طارق قاعد جنب السرير، وشه كان دبلان وعيونه وارمة من العياط. أول ما شافني صاحت، حاول يقرب مني، لكن نظرة واحدة مني كانت كفيلة إنه يتراجع. “ابعد عني يا طارق،” كانت أول كلمات نطقتها بصوت مبحوح. ولادي كانوا في الحضّانة، نجو من الموت بأعجوبة، لكن الرابط اللي كان بيني وبين طارق اتقطع للأبد في اللحظة اللي سابني فيها في البيت مقفول عليا وأنا بلفظ أنفاسي الأخيرة. في الأيام اللي بعد الولادة، كان بيحاول يشتري رضاي بالهدايا والاعتذارات، أمه كانت بتحاول تدخل المستشفى عشان “تتطمن”، بس أنا كنت واخدة قراري. منعت أي زيارة، ورفضت أرجع البيت اللي فيه ذكريات الألم دي.

لما خرجت من المستشفى، مروحتش لبيتي، رحت بيت أهلي اللي كانوا رجعوا فوراً بعد ما عرفوا باللي حصل. طارق كان بيحاول يقتحم حياتي، بيحاول يثبت إنه تغير، لكن نادية كانت لسه بتهمس في ودنه إني “بمثل” وإني “عايزة أسيطر عليه”. في يوم من الأيام، جه طارق بيت أهلي، وكان معاه نادية، وكانت بتحاول تفرض كلمتها وتقول إن “الولاد دول حفيدها ولازم يتربوا في بيتها”. هنا، الهدوء اللي كان فيا اتحول لبركان. وقفت قدامهم، بكل كبرياء، وطلعت ورقة الطلاق اللي كنت مجهزاها. طارق صدم، نادية اتجننت وبدأت تشتم، لكن أنا كنت هادية تماماً. “أنت اخترت يا طارق، اخترت الست اللي شافتني بتموت وفضلت شنطة جلد عليا، ودلوقتي أنا بختار حياتي وحياة ولادي بعيد عنكم.”

اللحظة دي كانت اللحظة اللي طارق فعلاً “ندم فيها ندم عمره”. مكنش ندم عشان بس خسرني، لكن عشان اكتشف حقيقة أمه، حقيقة إنها مكنتش بتحبه، كانت بتحب السيطرة، وإن حياته اللي بناها على طاعتها العمياء كانت عبارة عن سجن. طارق انهار، حاول يترجاني، بس كان الوقت فات. بدأت حياة جديدة، حياة صعبة ومسؤولية كبيرة، لكنها كانت أول مرة أحس فيها إني حرة، إني مسؤولة عن قراراتي، وإني بحمي ولادي من “شوربة الخضار” اللي كانت سبب في كل الفتن، ومن قلوب مكنش فيها ذرة رحمة. القصة مخلصتش عند الطلاق، دي كانت بداية رحلة طويلة من إثبات الذات، رحلة علمتني إن “الزوج اللي بيسيب مراته في وقت محنتها، مبيستحقش يكون أب ولا زوج، وإن الأم اللي بتزرع الحقد، في الآخر بتدوق مرارة الحصاد اللي زرعته”. ولادي دلوقتي كبروا، وبيشوفوا في عيوني القوة اللي خلتني أختار نفسي في يوم كان الكل متوقع فيه إني هنهزم.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *