سابني بعد 17 سنة جواز علشان واحدة أصغر مني.
عمري ما تخيلت إن أكتر شخص كنت فاكرة إنه أماني هو نفسه اللي هيكون سبب خوفي، ولا تخيلت إن 17 سنة جواز ممكن يختصرهم شخص في رسالة على الموبايل.
الساعة كانت 2:13 بعد منتصف الليل، كنت قاعدة على طرف السرير، البيت كله ساكت، وأنا ماسكة تليفوني وبقرأ الرسالة للمرة الخامسة يمكن.
كنت مستنية أصحى من الكابوس ده، لكن كل مرة كنت برجع لنفس الحقيقة؛ رامي سابني، مش بس سابني، ده طلب مني أمشي من البيت اللي عشت فيه عمري كله.
الرسالة كانت قصيرة: “قبل ما أرجع، ياريت تكوني مشيتي، أنا بدأت حياة جديدة ومش عايز حاجة من الماضي تفضل موجودة.”
الماضي؟ أنا بقيت الماضي؟ بعد 17 سنة؟ بعد ما كنت معاه من أول خطوة؟
فضلت باصة للموبايل، ومش عارفة أعيط حتى، يمكن لأن الوجع لما بيكون كبير أوي بيخلي الإنسان ساكت.
أنا سلمى، ست عادية جداً مكنتش بحلم بقصور ولا حياة مثالية، كل اللي كنت عايزاه بيت صغير، وجوز يحبني وعيال أحس إني عملت حاجة حلوة في الدنيا عشانهم، ورامي في الأول كان كده، كان الشخص اللي لما أمي كانت تسألني عنه أقولها: “ده سندي يا ماما.”
بس الإنسان ساعات بيبان على حقيقته لما يحس إنه خلاص ضمن وجودك.
قبل الرسالة بشهر، وقف قدامي وقال بمنتهى الهدوء: “أنا هتجوز نادين.”
افتكرت وقتها إني سمعت غلط، قلت له: “بتقول إيه يا رامي؟”
قال: “أنا لقيت حد مناسب ليا.”
نادين.. البنت الصغيرة اللي كانت شغالة معاه، اللي كان دايمًا يقول عليها مجرد زميلة.
بصيت له وسألته: “وأنا كنت إيه طول السنين دي؟”
رد بجملة عمري ما نسيتها: “سلمى.. متصعبيهاش.”
متصعبيهاش؟ هو كان شايف عمري كله حاجة معقدة؟ هو كان ناسي إني وقفت جنبه وهو بيبدأ من الصفر؟ ناسي إني بعت حاجات غالية عليا عشان نكمل البيت؟ ناسي إني كنت معاه لما الدنيا قفلت في وشه؟
كان بيحكي للناس دايمًا إنه هو اللي بنى كل حاجة البيت والشغل والحياة، لكن الحقيقة إن كان فيه حد شايل معاه الحمل ده كله.. أنا.
وفي اليوم اللي حسيت فيه إن كل حاجة انتهت، جالي إيميل بالغلط ملف قديم فيه أوراق البيت، فتحته من غير اهتمام، لكن أول ما وقعت عيني على الاسم المكتوب في العقد حسيت إن قلبي وقف..
البيت اللي رامي كان بيقول للناس إنه بتاعه، البيت اللي طلب مني أخرج منه، كان باسمي أنا.
وقتها لأول مرة من أيام حسيت إني رجعت أقف على رجلي، مش عشان أنتقم، لكن عشان أفكره بحاجة واحدة؛ إنه لما حاول يمسحني من حياته، نسي إني أنا كنت الأساس اللي حياته كلها اتبنت عليه.
روحت لمحامية، وبعد ما شافت الأوراق بصتلي وقالت: “رامي فاكر إنه هيبدأ حياة جديدة، بس هو مش عارف إن فيه حاجة مستنياه أول ما يرجع.”
سألتها: “إيه هي؟”
قفلت الملف وقالت: “الحقيقة.”
وقتها بصيت للبيت للمرة الأخيرة قبل ما أبدأ خطتي، لأن رامي كان فاكر إنه هيرجع من شهر العسل يلاقي مراته القديمة قاعدة مستنياه، لكن اللي مكنش يعرفه إنه لما يفتح باب البيت، مش هيلاقي الست اللي سابها، هيلاقي الست اللي اتعلمت أخيرًا إنها ما تخافش من خسارة حد، خصوصًا حد خسرها الأول.
أنا عمري ما كنت إنسانة بتحب الانتقام، طول عمري كنت بقول إن كل واحد بياخد نصيبه من الدنيا، وإن ربنا كفيل يرجع الحقوق لأصحابها، لكن اللي حصل معايا خلاني أفهم إن فيه فرق كبير بين إنك تسامح وإنك تسمح لحد يدوس عليك.
بعد ما عرفت إن البيت باسمي، قعدت ليلة كاملة مش بنام، مش عشان كنت فرحانة إن معايا ورقة ضده، لا، كنت موجوعة، كنت بفكر في نفسي، في الست اللي عاشت سنين تصدق إن وجودها في حياة شخص كفاية، الست اللي كانت بتقول لنفسها كل مرة رامي يتغير فيها: “يمكن مضغوط، يمكن تعبان، يمكن بكرة يرجع زي الأول.” لكن الحقيقة إن رامي ماكانش بيتغير، هو بس كان بيكشف نفسه واحدة واحدة.
تاني يوم الصبح، رحت للمحامية، اسمها داليا، كانت هادية جدًا، من النوع اللي يخليك تحسي إنك في أمان، حطيت قدامها كل الأوراق: عقد الأرض، أوراق البناء، إيصالات قديمة، حتى التحويلات اللي كنت بساعد بيها وقت أزمته.
قعدت تقلب في الورق شوية، وبعدها رفعت عيني وقالت: “سلمى، إنتي فاهمة إن رامي طول السنين دي كان بيتصرف كأنه صاحب كل حاجة؟”
هزيت رأسي، قلت لها: “عارفة.”
قالت: “بس القانون مش بالمشاعر، القانون بالأوراق.”
الجملة دي ريحتني، لأول مرة حسيت إن فيه حاجة في صفي، سألتها: “لو رجع وطلب مني أخرج؟”
ابتسمت ابتسامة صغيرة وقالت: “ساعتها هو اللي هيحتاج يفهم إنه مش صاحب القرار.”
رجعت البيت بعدها، وقفت في نص الصالة ونظرت حواليا؛ المكان كان مليان ذكريات، هنا كنا بنحتفل بأول عيد ميلاد لابني، هنا كنت قاعدة ليلة كاملة جنب بنتي وهي تعبانة، هنا كنت مستنية رامي يرجع من شغله وأنا عاملة له أكله اللي بيحبه.
كل ركن في البيت كان فيه جزء مني، الغريب إن الشخص اللي عاش فيه معايا كل ده كان مستعد يرمي كل حاجة عشان يبدأ من جديد.
بعد يومين، وصلني خبر إن رامي راجع، هو كان فاكر إني هكون منهارة، فاكر إني هفتح له الباب وأترجاه، لكن هو ماكانش يعرف إني أخدت قرار، قررت أسيبه يعيش اللحظة اللي اختارها.
وصل رامي من السفر، نزل من العربية وهو لابس بدلة غالية وماسك إيد نادين، كان بيضحك، واضح إنه كان متخيل نفسه داخل منتصر، قرب من باب البيت، طلع المفتاح، لفه.. لكن الباب ما فتحش، جرب تاني، ولا حاجة، استغرب، خبط مرة واتنين، لكن مفيش رد.
طلع تليفونه واتصل بيا، رديت بهدوء، قال بصوت متوتر: “سلمى إنتي فين؟”
قلت: “أنا في المكان اللي المفروض أكون فيه.”
سكت لحظة، قال: “يعني إيه؟ افتحي الباب.”
بصيت للباب اللي كان واقف وراه، وقلت: “مش هينفع يا رامي.”
ضحك ضحكة عصبية وقال: “إنتي بتهزري؟ ده بيتي.”
سكت وبعدين قلت له الجملة اللي شفت بعدها وشه من شباك البيت وهو بيتغير: “لا يا رامي، ده كان بيتك طول ما أنا كنت سامحة لك تصدق كده، لكن دلوقتي الحقيقة ظهرت.”
سمعته بيقول بعصبية: “سلمى، إنتي بتلعبي بالنار.”
ابتسمت لأول مرة وقلت: “الغريب يا رامي إنك إنت اللي ولعت النار.”
وقبل ما أقفل المكالمة، سمعت صوت نادين من بعيد وهي بتسأل: “رامي في إيه؟ ليه مش عارف تفتح؟”
سكت رامي ثواني، وبعدين قال جملة خلتني أعرف إن المصيبة الحقيقية لسه ما بدأتش، قال لها بصوت واطي: “استني هنا لازم أكلم حد.”
وبعدها مباشرة جالي اتصال من رقم غريب، ولما رديت سمعت صوت راجل كبير بيقول: “إنتي سلمى مرات رامي؟”
قلت: “أيوه.”
سكت لحظة وبعدين قال: “يبقى لازم تعرفي إن جوزك مخبي عنك سر من قبل جوازكم، سر لو عرفتيه هتفهمي ليه كان مستعجل يخرجك من البيت بالذات.”
وفي اللحظة دي، لأول مرة حسيت إن حكاية رامي ونادين مكنتش هي الحكاية كلها.
من أول ما سمعت صوت الراجل الغريب وأنا حاسة إن فيه حاجة أكبر من مجرد خيانة، كنت فاكرة إن قصتي مع رامي انتهت عند خيانته وسعيه إنه يبدلني بواحدة أصغر، لكن واضح إن فيه صفحات كتير أنا ماقريتهاش.
سألته: “حضرتك مين؟”
قال: “أنا عماد، كنت شريك رامي زمان.”
سكت شوية وبعدين كمل: “أنا اتأخرت كتير إني أتكلم، بس بعد اللي عمله فيكي، لازم تعرفي الحقيقة.”
قلبي بدأ يدق بسرعة، قلت: “حقيقة إيه؟”
قال: “البيت ده مش أول حاجة حاول رامي ياخدها منك.”
اتجمدت مكاني وسألته: “يعني إيه؟”
قال: “قبل ما يتجوزك، كان داخل على مشروع كبير وخسره، كان عليه ديون ومكانش عنده حاجة يبدأ بيها، أبوكِ هو اللي ساعده.”
افتكرت وقتها حاجات قديمة، أبويا اللي كان دايمًا يقولي: “يا سلمى، اختاري اللي يحافظ عليكِ.”
رامي وقتها كان بيظهر قدامه إنه راجل مجتهد.
قال عماد: “أبوكِ طلب منه حاجة واحدة بس، إنه يحافظ عليكِ.”
نزلت دمعة من عيني لأني فهمت، أبويا كان شايف حاجة أنا ما شوفتهاش.
كمل عماد: “رامي عمره ما نسي إنه بدأ من الصفر، بس بدل ما يكون ممتن، بقى شايف إن كل اللي وصل له ده حقه، ولما ظهرت نادين، بدأت تقنعه إنك بقيتي حمل عليه.”
قفلت عيني، الجملة وجعتني، مش لأنها جديدة، لكن لأنها كانت الحقيقة اللي كنت برفض أصدقها.
بعدها بساعات، رامي رجع يحاول يدخل البيت، المرة دي كان لوحده من غير نادين، شكله كان مختلف، مش شكل الراجل المنتصر اللي رجع من شهر العسل، كان شكله واحد الدنيا بدأت تضيق عليه.
وقفت عند الباب، بص لي وقال: “سلمى إحنا لازم نتكلم.”
قلت: “اتفضل.”
دخل، بص حوالين البيت وكأنه أول مرة يشوفه، قال: “إنتي فعلًا هتعملي كده؟”
سألته: “أعمل إيه؟”
قال: “تطلعي جوزك من بيته؟”
ابتسمت بحزن وقلت: “غريبة يا رامي، لما كنت إنت اللي بتطلعني منه كان عادي.”
سكت، أول مرة ملاقاش رد، قعد وقال: “أنا غلطت.”
نظرت له، كنت مستنية الكلمة دي من شهور، لكن الغريب إنها ماجتش في وقتها.
قلت: “عارف يا رامي؟ أصعب حاجة مش إنك حبيت غيري، الأصعب إنك خلتني أشك في نفسي، خلتني أحس إني قليلة وأنا اللي كنت شايلة حياتك كلها.”
نزل عينه وقال: “ممكن نصلح؟”
هزيت رأسي وقلت: “في حاجات بتتصلح يا رامي، لكن فيه حاجات لما تتكسر بتفضل علامة.”
خرج من البيت بعدها، ومرت شهور، استرجعت حياتي، مشيت في الإجراءات القانونية، ورجعت كل حقوقي.
أما رامي، فخسر أكتر حاجة كان فاكر إنها مضمونة، خسر وجودي.
بعد فترة عرفت إن نادين سابته، لأنها كانت بتحب الرجل الناجح اللي كانت شايفاه، مش الرجل اللي اكتشفت إنه خسر كل حاجة.
وفي يوم، وأنا قاعدة في بيتي، جالي ظرف صغير، فتحته، كان فيه مفتاح قديم ومعه ورقة، الخط كان خط رامي، مكتوب فيها: “كنت فاكر إن امتلاكي للبيت معناه إني امتلكت حياتي، لكن اكتشفت متأخر إن البيت كان واقف بسببك إنتي.”
بصيت للورقة وطويتها، لأني أخيرًا فهمت حاجة مهمة؛ اللي يخسر إنسان وقف جنبه وقت ضعفه مش بيخسر شخص بس، بيخسر النسخة الوحيدة من نفسه اللي كانت لسه بتحبه.
وأنا؟ أنا ما خسرتش بيت، ولا جواز، ولا عمر، أنا كسبت نفسي بعد سنين كنت ناسية إنها موجودة.
تمت.



