حين حكم التلميذ لأستاذه
في حي من أحياء العاصمة صنعاء، حيث تمتزج عراقة التاريخ بقسوة الظروف الحالية، دخل الأستاذ محمد المحكمة بخطوات ثقيلة كأنها تحمل جبال اليمن على عاتقها. كان وجهه شاحباً، وثيابه البسيطة التي أكل عليها الدهر وشرب تعكس حالاً بائساً، وظهره منحنٍ كأن السنوات الطويلة والهموم الثقيلة قد حنته رغماً عنه. كان يسير وفي عينيه انكسار رجل أمضى عمره يزرع النور في عقول الأجيال، ليجد نفسه اليوم يقف في موقف لا يحسد عليه. كان خصمه تاجرًا معروفًا بقسوته وجفافه، يقف بثقة ومطالباً بدين قدره مئتان وثمانية وسبعون ألف ريال، وهو مبلغ تراكم على كاهل المدرس المسكين بعد سنوات عجاف انقطعت فيها المرتبات وضاق بالناس الحال، ولم يجد بداً من الاستدانة ليطعم أطفاله الجوعى.
وقف الأستاذ محمد أمام منصة القضاء مطأطئ الرأس، يفرك يديه المتعبتين ببعضهما، فلم يكن ينكر الدين قط، لكنه ببساطة لا يملك في جيبه ريالاً واحداً لسداده. كان الصمت يلف القاعة، وكل ما في عيني المعلم العجوز كان يصرخ بأن الفقر أحيانًا يكون أشد إذلالاً وقسوة من قضبان السجن نفسه. وعلى الجانب الآخر، كان القاضي الشاب يجلس خلف مكتبه الخشبي المهيب، يتفحص الأوراق الملقاة أمامه بوقار وهدوء، ثم رفع عينيه من فوق نظارته ليتأمل وجه المتهم. في تلك اللحظة، تجمدت نظرات القاضي، وتوقف الزمن لديه فجأة، وبدأ يطيل النظر في ملامح هذا الرجل العجوز الواقف أمامه، كأنه يحاول بنظراته الفاحصة أن ينبش في دفاتر الماضي، ويخرج صورة قديمة جداً خبا بريقها تحت غبار السنين المتراكمة.
تساءل القاضي في سريرته بذهول ممزوج بالألم، هل هذا الرجل المكسور والمنحني هو نفسه الأستاذ محمد؟ هل هذا الشخص الذي يكاد يذوب خجلاً هو المعلم العظيم الذي كان يقف يوماً أمام السبورة بكل هيبة وثقة، يشرح لطلابه قواعد الرياضيات بصوت قوي رنان، ويزرع في نفوسهم حب العلم والطموح؟ في تلك الوهلة، طافت بذهن القاضي ذكريات الطفولة البعيدة، وتذكر نفسه حين كان طفلاً فقيراً يتيماً يجلس دائماً في الصف الأخير، يخفي يديه حتى لا يرى أحد بؤسه، ولا يملك في كثير من الأحيان ثمن الدفتر أو القلم. تذكر كيف كان الأستاذ محمد يمر بجانبه، ويمسح على رأسه بحنو، ويضع يده على كتفه ويهمس في أذنه بكلمات كانت بمثابة طوق النجاة قائلاً له إنك ذكي يا بني، ولا تترك الفقر يهزمك أو يثنيك عن حلمك.
مرت أمام عيني القاضي صور المواقف النبيلة لمعلمه، فتذكر ذلك اليوم الذي اشترى له فيه الأستاذ قلماً جديداً دون أن يحرجه أو يشعره بالنقص، وتذكر كيف أعطاه كراسة فاخرة ذات يوم وأعلن أمام كل الطلاب أنها هدية خاصة للمتفوقين، فقط كي يحفظ كرامته أمام زملائه ولا يشعره بالحاجة أو الشفقة. انقطع حبل أفكار القاضي وعاد إلى واقع القاعة المرير، فرأى بأم عينيه المعلم الذي صنع منه رجل قانون وهيبة وقضاء يقف اليوم أمامه في موقف المتهم المديون، يعتذر بنبرة مكسورة عن دين عجز عن الوفاء به لظروف قاهرة خارجة عن إرادته.
سأل القاضي معلمه بهدوء شديد ونبرة حاول جاداً أن تكون رسمية: لماذا لم تسدد ما عليك من التزام يا أستاذ محمد؟ فأجاب المدرس بصوت متهدج متعب يملؤه الأسى بأنه والله ما أنكر حق الرجل ولا يوماً أراد أكل أموال الناس، ولكن المرتبات انقطعت منذ زمن، والبيت مليء بالأطفال الصغار الذين يحتاجون قوتاً، فضلاً عن المرض الذي داهمه وأخذ كل ما بقي في جسده وفي جيوبه من كرامة ومدخرات. خفض القاضي رأسه فوراً ونظر إلى الأرض للحظات، يصارع غصة في حلقه ويمسك بجهد جهيد دمعة ساخنة كادت تسقط من عينه أمام الحاضرين في القاعة، ثم التفت ونادى حاجب المحكمة، وهمس في أذنه بكلمات قصيرة وسريعة، فهز الحاجب رأسه بعلامة الفهم وخرج مسرعاً من القاعة دون أن يفهم أحد من الحضور ماذا يجري.
استمر القاضي في إدارة الجلسة متظاهراً بالاستماع لشكوى التجر وتبريرات المدرس، لكن قلبه وعقله كانا في مكان آخر، ينتظران بفارغ الصبر إشارة واحدة من الحاجب عند الباب. وبعد دقائق قليلة بدت كأنها دهر، عاد الحاجب ووقف عند المدخل، وأرسل للقاضي إشارة خفيفة ومحسوبة لم يلحظها أي شخص في القاعة سوى القاضي نفسه. في تلك اللحظة، تنفس القاضي الصعداء، ورفع رأسه بشموخ وقال بصوت جهوري رسمي حسم الموقف بأنه قد ثبت لدى المحكمة أن المبلغ المطلوب قد سُدد بالكامل في خزينة المحكمة، وعليه تقرر إغلاق ملف القض..ية والمطالبة نهائياً.
تجمد الأستاذ محمد في مكانه من الصدمة، ونظر يمنة ويسرة وكأنه لم يستوعب ما سمعته أذناه، وتساءل في عقله بذهول واضطراب عن هوية الشخص الذي يمكن أن يسدد هذا المبلغ الكبير عنه. هل يكون أخوه الفقير قد باع سيارته المتهالكة التي يطعم منها أولاده؟ أم هل تكون أخته الصابرة في بلاد عمران قد باعت خاتم زواجها الوحيد لتنقذه من السجن؟ أم أن أحداً من طلابه القدامى عرف بالخبر وهب لنجدته؟ خرج المعلم من قاعة المحكمة وعقله يموج بأسئلة حائرة لا يجد لها أي جواب، يمشى مطرقاً رأسه في الشارع وعلامات الدهشة ترتسم على كل تجعيدة في وجهه.
لم تمر سوى دقائق معدودة حتى توقفت بجانبه سيارة القاضي الفارهة، وانزلقت النافذة ليطل منها القاضي بابتسامة دافئة قائلاً وتفضل بالركوب معنا يا أستاذ محمد لنقلك إلى وجهتك. تردد المدرس كثيراً خجلاً واستحياء، لكنه تحت إصرار القاضي ركب في المقعد الخلفي، وساد صمت طويل وعميق داخل السيارة، كأن كل واحد منهما كان يخشى أن يفتح باب الذاكرة فتفيض المشاعر وتفلت الكلمات. تحركت السيارة ببطء ثم توقفت عند مطعم هادئ وقريب من مبنى المحكمة، ونزل القاضي ومعه مرافقوه ودعوا الأستاذ للدخول وتناول الغداء معهم.
جلسوا جميعاً حول الطاولة، وطلب المرافق أصنافاً من الطعام اليمني الشهي، بينما كان القاضي يحاول طوال الوقت أن يمازح الأستاذ ويلطف الأجواء ليكسر حاجز الخوف والوجل الذي كان يسيطر على المعلم. لكن الأستاذ لم يكن قادراً على الاستمتاع بلحظة واحدة، فكيف له أن يفهم ما يدور حوله؟ من هو هذا القاضي الشاب والمحترم الذي يسدد عنه دينه، ثم يأخذه بسيارته، ويعامله كضيف عزيز وشخص رفيع القدر؟ لم يعد المعلم يطيق الانتظار، فأقسم على القاضي بالله ورجاه قائلاً يا سيدي القاضي، أرجوك أن تريح قلبي وتخبرني لماذا تفعل كل هذا معي؟ ومن هو فاعل الخير الذي سدد ديني وأنقذ شيبتي؟
سكت القاضي لبرهة، ونظر إلى معلمه بنظرة ملأها الإجلال والحب، ثم أخذ نفساً عميقاً طويلاً، وقال بصوت متحشرج اختنق بالدموع والوعيد بأنه ألا تذكرني حقاً يا أستاذي الغالي؟ تجمد الأستاذ محمد في مكانه، ونبش بنظراته الفاحصة في وجه القاضي الشاب يحاول ربط الملامح بذكراه. تابع القاضي والدموع تترقرق في عينيه بأنه أنا ياسر، ذلك الطالب الصغير الفقير الذي كان يختبئ في آخر الصف، الذي لم يكن يملك يوماً ثمن دفتره، وأنت من وقفت بجانبه وقلت له كلمات حفرت في قلبه بأن العلم يرفع صاحبه درجات ولو نام جائعاً في ليله.
اهتزت يد الأستاذ العجوز بشدة، وبدأت الدموع تنهمر على لحيته البيضاء مع بداية تكشف الحقيقة المفرحة. أكمل القاضي حديثه بنبرة يملؤها الامتنان الصادق مذكرّاً معلمه بأنه أنت يا أستاذي من دفعت لي رسوم الامتحان من جيبك الخاص يوم أن أرادت إدارة المدرسة حرماني وطردي لعدم السداد، وأنت من تركت سيارتك ومشيت معي خطوة بخطوة إلى منزلي في ذلك اليوم العصيب الذي كان الطلاب يسخرون فيه من حذائي الممزق، لتطيب خاطري وتدعم نفسي. سأل الأستاذ بصوت مبحوح يكاد لا يُسمع من شدة التأثر أأنت حقاً ياسر الصغير؟
لم يتمالك القاضي نفسه، فقام من مقعده وأمسك بيد معلمه العجوز المتشققة وقبّلها بكل إجلال واحترام أمام جميع من في المطعم، وقال بصوت مرتفع يسمعه الجميع بأن نعم، أنا ياسر، أنا ثمرة دعائك الصادق في جوف الليل، وصبرك المرير على طباشيرك وتعبك معنا، والله لو دفعت دينك هذا ودين غيره ألف مرة فلن أوفيك ذرة من حقك ودينك الذي يطوق رقبتي ما حييت. بكى الأستاذ محمد في تلك اللحظة بكاءً حاراً، لكنه لم يكن بكاء حزن، بل بكاء رجل شعر بأن عمره الذي أفناه وتضحياته لم تذهب سدى، وأن الله قد رد إليه اعتباره وروحه في لحظة واحدة اختصرت كل سنوات التعب والشقاء.
لم تنتهِ المفاجآت عند هذا الحد، بل أخرج القاضي من حقيبته الجلدية ظرفاً مغلقاً كبيراً وقدمه لأستاذه بكل أدب قائلاً إن هذا ليس تبرعاً أو صدقة، بل هو عقد عمل رسمي ومحترم لك بصفتك مستشاراً تعليمياً وتربوياً في مؤسسة تعليمية كبرى أملكها، وبراتب مجزٍ يؤمن حياتك وحياة أطفالك، لأن اليمن الحبيب لا يجوز ولا يمكن أن يترك معلماً فاضلاً ومربياً قديراً مثلك ينهار أو يهان أمام تجار الدنيا. وقبل أن يستجمع الأستاذ أنفاسه ليرد أو يشكر، دخل التاجر نفسه الذي كان يطالبه بالدين إلى المطعم مسرعاً وعلامات الارتباك والخجل تكسو وجهه، واقترب من الطاولة موجهاً كلامه للقاضي مستسمحاً ومعتذراً بأنه أرجو المعذرة والمسامحة يا سيدي القاضي، فو الله لم أكن أعلم أن هذا الرجل الفاضل هو أستاذك ومعلمك الذي تدين له بالفضل.
التفت إليه القاضي ورد عليه بكل هدوء وثقة وثبات يعكس حكمة القضاء وعمق التربية قائلاً إن المشكلة الحقيقية والخطأ الأكبر ليس في أنك لم تكن تعرف أنه أستاذي أنا تحديداً، بل المشكلة الكبرى في مجتمعنا أنكم لم تدركوا بعد أن كل معلم مخلص يعاني في هذا البلد هو أستاذ لشخص ما، وسيكون هذا الطالب يوماً ما قاضياً يحكم بين الناس، أو طبيباً يداوي الجراح، أو مسؤولاً يدير البلاد، فاحترام المعلم هو احترام لمستقبل الوطن بأكمله. وفي اللحظات الأخيرة من ذلك اللقاء الأسطوري، فتح الأستاذ محمد الظرف بيدين ترتجفان، فلم يجد العقد وحده، بل وجد خلفه صورة قديمة باهتة الألوان تجمع فصلاً دراسياً كاملاً من فصول الماضي، وحين قلبها، قرأ على ظهرها كلمات كُتبت بخط طفل صغير مائل يملؤه الأمل: “سأصبح قاضياً يوماً ما، وسأرد لك حقك يا أستاذي محمد”.