حماتي كانت شيفاني خدامة.. حكايات منال علي
“يا منى، إنتِ لسه ما كويتيش القمصان دي؟! ابني مش هيروح الشغل هدومه مكركبة بالشكل ده!”
صوت حماتي أم أحمد دوّى في المطبخ زي الرعد، وأنا قاعدة على ركبتي قدام غسالة الأطباق، قلبي بيدق بعنف كأنه عايز يخرج من صدري، وإيديا بتترعش. كنت حاسة بغضب ساكت جوايا بيكبر يوم بعد يوم، غضب بيستنزف الروح من غير ما يسيب أي أثر باين.
قلت وأنا بحاول أتماسك:
“يا طنط أم أحمد، أنا لسه راجعة من المدرسة حالًا، والزحمة كانت واقفة في الشوارع النهارده. هعملهم دلوقتي، بس أجهز حاجة للعيال ياكلوها الأول؟”
كنت بحاول أهدي الجو، لكن مفيش فايدة. بصتلي بنفس النظرة القاسية اللي بقالها شهور بتبصهالي، نظرة كلها حكم وانتقاد، كأنها مستنية أي غلطة مني عشان تمسكها عليا.
أما أحمد، جوزي، فكان قاعد في الصالة ومستخبي ورا الجرنال. ولا بصلي، ولا قال كلمة. سكوته كان أشد وجعًا من أي إهانة ممكن أسمعها.
والأصعب إن من ست سنين بس كنا واقفين جنب بعض في قاعة فرح بسيطة في الجيزة، قدام أهلنا وأصحابنا، وبنوعد بعض إننا نفضل سند لبعض طول العمر.
وقتها بدأت أحس بالشرخ الحقيقي.
مش الشرخ اللي بيني وبين حماتي، لأن ده كان بقى حفرة كبيرة خلاص…
لكن الشرخ اللي بيني وبين أحمد.
كل مرة كانت حماتي تعلق على لبس العيال:
“بصي يا منى، زمان الأمهات كانوا بيهتموا بأولادهم أكتر من كده.”
وأحمد ساكت.
وكل مرة تنتقد أكلي:
“المحشي والكشري ليهم أصول يا بنتي، مش أي حد يعرف يعملهم.”
وأحمد يضحك بخفة ويبص في الأرض.
وفي كل مرة، كان جزء صغير جوايا بينكسر.
وفي يوم رجعت من الشغل بدري، ولقيت حماتي جوه أوضتي بتفتش في الدولاب.
اتجمدت مكاني وسألتها:
“حضرتك بتعملي إيه؟”
ردت بمنتهى البساطة:
“بدور على الفستان اللي كنتِ قايلة إنك هتديهولي من كام شهر.”
وبعدين نفخت بضيق كأن الغلط غلطي أنا.
الكلام وقف في زوري، والعيال كانوا واقفين قدامي، فبلعت الإهانة وسكت.
لكن لحد النهارده كل ما أفتكر الموقف ده بحس بوجع في معدتي.
في الليل، بعد ما العيال ناموا والبيت سكت، بصيت لأحمد وقلتله بهدوء:
“مينفعش تسيب والدتك تعاملني كده.”
هز كتافه وقال:
“يا منى، الموضوع مش سهل… إنتِ عارفة إنها بتحاول تساعدنا بطريقتها.”
ضحكت بمرارة:
“بطريقتها؟! دي مش عيشة. كل حاجة بعملها بتتراقب وتتنتقد. كل قرار باخده بيتحاسب عليه. هو أنا دايمًا الغلطانة؟”
صوتي اختنق وسط دموعي.
لكن أحمد فضل مكانه وقال:
“إنتِ مش فاهمة قد إيه صعب عليا أقف ضد أمي.”
ومن يومها بقيت أصحى من النوم مفزوعة في نص الليل، قلبي بيدق بسرعة، وحاسة إني مخنوقة.
أدخل الحمام وأقف قدام المراية، أشوف الهالات السودا تحت عيني، وشعري المكركب، وكتافي اللي بقت محنية من التعب.
وأهمس لنفسي:
“أنا فين؟ إمتى بطلت أبقى منى؟”
التوتر بيني وبين حماتي بقى لا يُحتمل. كل صباح كنت بصحى وأنا عارفة إني هقابل نفس النظرات ونفس الانتقادات.
صحابي كانوا يقولولي:
“عديها… كل الحموات كده.”
لكن محدش كان فاهم إحساس إنك تبقي غريبة جوه بيتك.
لحد ما جه يوم الانفجار.
كان يوم سبت، وكنت بجهز السفرة، لما حماتي قالت بسخرية:
“نسيتي تحطي الكوبايات… بس مش مستغربة. أصل أكتر حاجة شاطرة فيها هي النسيان.”
في اللحظة دي حاجة جوايا اتكسرت.
وقعت المنديل من إيدي، ولفيت ناحية أحمد، وبصيتله في عينه لأول مرة من غير خوف وقلت بصوت عالي:
“لو ما وقفتش في ضهري مرة واحدة بس… البيت ده عمره ما هيبقى بيتي!”
الصمت ملأ المكان.
أحمد اتجمد مكانه، وحماتي بصتلي باحتقار وقامت داخلة أوضتها وهي بتتمتم:
“ربيت ابن ناكر للجميل.”
أما أنا فقضيت الليلة كلها نايمة على الكنبة، لوحدي، بترعش.
وفكرت ألم هدومي وآخد العيال وأمشي.
لكن بعد ساعات طويلة من العياط، عملت حاجة تانية.
مسكت ورقة وقلم، وكتبت لأحمد كل حاجة.
كتبت عن خوفي إني عمري ما أبقى كفاية، عن الوحدة، عن الإحساس بالفشل، عن وجعي من إنه سايبني أحارب لوحدي.
وفكرته بالأيام اللي كنا بنضحك فيها مع بعض على أبسط الحاجات، وفكرته بوعدنا يوم الجواز.
وفي آخر الرسالة طلبت منه حاجة واحدة بس… إننا نرجع فريق واحد، وإنه يبطل يبقى مجرد ابن قدام أمه… ويرجع يبقى جوزي.
حطيت الرسالة على الكومودينو جنب سريره.
وتاني يوم الصبح، لقيته قاعد على السفرة ماسك فنجان القهوة، وعينيه حمرا.
بصلي وقال بصوت مكسور:
“عندك حق يا منى… أنا سبتك لوحدك فترة طويلة أوي. سامحيني.”
طول سنين جوازنا ما شفتوش بالشكل ده قبل كده.
قعدنا على سفرة المطبخ، نفس المطبخ اللي كان ساحة حرب سنين، واتكلمنا بالساعات؛ عن خوفه، وعن إحساسه بالذنب ناحية أمه، وعن غضبي، وعن تعبنا إحنا الاتنين.
وبعدين قال فجأة:
“إيه رأيك نطلب مساعدة؟ يمكن حد يساعدنا نفهم بعض أكتر.”
ولأول مرة من زمان حسيت بأمل.
وفي يوم الاتنين الصبح، رحنا سوا لمستشارة أسرية، وإحنا ماسكين إيد بعض زي طفلين خايفين.
وهناك اكتشفت حاجات كتير عن أحمد؛ عرفت قد إيه كان شايل إحساس بالديْن ناحية أمه بسبب السنين الصعبة اللي ربت فيها ولادها، وعرفت إن خوفه من خسارتي كان مخليه متجمد ومش عارف يتصرف.
وأنا كمان اتعلمت؛ اتعلمت إني مش لازم ألغي نفسي عشان أرضي كل الناس، وإن من حقي أكون مسموعة ومحترمة.
ببطء… ومع شوية صبر وغلطات كتير… بدأنا نحط حدود واضحة، وقررنا نشرك حماتي في الموضوع.
وكانت أيام صعبة، فيها عياط، وخناق، وسكوت طويل، لكن حتى هي اضطرت تعترف إن لازم حاجة تتغير.
ماكانتش معجزة، وماكانش الطريق سهل، لكن بيتنا رجع بيتنا من جديد.
دلوقتي كل ما أبص في المراية، وسط التجاعيد الجديدة وآثار السنين، بلاقي منى تاني… منى الحقيقية، مش منى اللي كانت عايشة تحت حكم الآخرين.
أنا وأحمد بقينا مختلفين، يمكن أكبر، ويمكن أنضج، لكن أكيد بقينا أصدق.
وأوقات كتير بسأل نفسي… كام ست عايشة دلوقتي حاسة إنها غريبة جوه بيتها؟ وكام راجل مش مدرك إن أكبر شجاعة ممكن يعملها هي إنه يحمي الشخص اللي بيحبه حتى لو كان الموقف صعب؟
وهل عمرك حسيت إنك مجرد ضيف في بيت المفروض يكون بيتك؟
شاركونا رأيكم


