كيف أنقذت طفلة الأربع سنوات مربيتها من حبل المشنقة

أبواب المحكمة اتفتحت فجأة برزع قوية وهزت الحيطان.

بنت عندها أربع سنين دخلت تجري، حافية الرجلين، فستانها البمبي متبهدل طين، وشعرها الكيرلي منكوش من كتر الجري.

صرخت وصوتها الصغير المبحوح بيهز الممر وهي بتجري: “منى معملتش حاجة! منى معملتش حاجة!”

القاضي رفع شاكوشه.. وبعدين اتجمد في مكانه وهو رافعه.

القاعة كلها سكتت.

كل الوشوش لفت وبصت على الطفلة الصغيرة اللي واقفة لوحدها بين الكراسي وهي بتموت من الرعب وجسمها بيترعش، بس عينيها كان فيها إصرار غريب وصدرها بيعلو ويهبط من النهجان.

منى، اللي كانت قاعدة عند ترابيزة المتهمين والكلبشات في إيدها، حست إن نفسها انقطع. والدموع اللي حاربت أسابيع عشان تحبسها، نزلت أخيراً غصب عنها.

همست: “ليلى…”

البنت بصت عليها علطول. وفي اللحظة دي، كأن العالم كله اختفى ومبقاش فيه غيرهم.

وبعدين ليلى رفعت إيدها الصغيرة وشاورت بصابعها على الصف الأول.

وقالت وصوتها بيترعش بس بكل ثقة: “هي دي.. هي دي مرات أبويا”.

ماجدة كانت قاعدة مابتتحركش، ولابسة أسود حزين، وحاطة إيدها في حجرها بنظام. وشها لسه عليه نفس وش الحزن والكسرة المرسوم بالمسطرة طول فترة القضية.. بس عينيها فضحتها.

الخوف بدأ يظهر من ورا الوش ده.

القاضي رزع بالشاكوش وزعق: “هدوء! هدوء في القاعة!”

رفع الجلسة فوراً للاستراحة، بس قبل ما حد يتحرك، ليلى جريت على منى.

عساكر الأمن قربوا عشان يبعدوها، بس محامي الدفاع اتدخل بسرعة وقال: “سيادة القاضي، دي بنت المجني عليه وليها علاقة باللي بيحصل”.

منى ميلت لقدام على قد ما السلاسل والكلابش سمحت لها. ليلى حوطت معصم منى المتكلبش بإيديها الصغيرين وهمست من وسط دموعها: “أنا شفت كل حاجة.. شفت هي عملت إيه”.

من ست شهور فاتوا، قصر جلال كان مكان كله هدوء وسلام.

شمس بعد الظهر كانت بتدخل الصالة الكبيرة، وتدفي الأرض الخشب والعفش الأنتيك الغالي اللي جلال كان بيجمعه على مدار السنين.

ليلى كانت قاعدة على السجادة وحواليها العرايس، بس مكانتش بتلعب.. كانت قاعدة بتبص على الكبار اللي قاعدين على الكنبة كأنهم جزء من حكاية هي مش فاهماها بالكامل.

جلال قال بحنية: “ليلى، يا حبيبتي.. تعالي هنا. في حد عايزك تتعرفي عليه”.

الست اللي كانت قاعدة جنبه كانت جميلة بزيادة ومهتمة بنفسها جداً.. شعرها بني محمر، ولابسة فستان أزرق مجسم، وضحكتها مبيّنة سنانها المثالية.

الست نزلت لمستواها وقالت: “أهلاً يا حبيبتي.. أنا ماجدة. أنا وبابا خلاص هنتجوز”.

ليلى بصت لأبوها وقالت: “يعني ده معناه إنك مش هتسافر كتير تاني؟”

جلال ضحك وشالها لفوق: “ده معناه إن ماجدة هتبقى مامتك الجديدة”.

ليلى مكانتش فاهمة يعني إيه ده بالظبط.

أمها الحقيقية ماتت وهي لسه صغيرة جداً. بس منى كانت دايماً موجودة معاها في كل حاجة.. بتسرح لها شعرها، بتقرأ لها حكايات، وبتاخدها في حضنها لما يجيلها كابوس بالليل.

ماجدة فتحت دراعاتها وقالت: “تعالي في حضني يا حبيبتي”.

ليلى قربت واحتضنتها.

بس الإحساس كان غريب ومش مريح.

ريحة ماجدة كانت برفيوم نفاذ وتقيل جداً، والحضن نفسه كان ناشف، كأنه ساقع.

من المطبخ، منى كانت واقفة بتراقب اللي بيحصل.

هي شغال في البيت ده من يوم ما أم ليلى ماتت، وساعدت في تربية البنت.

وفي حاجة في الطريقة اللي ضحكة ماجدة كانت بتختفي بيها أول ما جلال يدير وشه، خلت منى تقلق وتحس بعدم راحة.

جلال نده: “منى.. ممكن تعملي لنا قهوة؟”

“حاضر يا فندم”.

لما منى رجعت، إيد ماجدة كانت محطوطة على كتف ليلى ومتبتة فيها جامد.

جامد زيادة عن اللزوم.

ليلى كانت مبلمة في الشباك كأنها عايزة تختفي من المكان.

جلال قال: “أنا هسافر شيكاغو الأسبوع الجاي.. هقعد عشر أيام”.

عنيين ماجدة لمعت بحاجة شبه الفرحة والإثارة.

وقالت بصوت كله لدعونة وسهتنة: “بسرعة كده؟ ده أنا وليلى لسه بنقرب من بعض”.

جلال رد عليها: “منى معاكي.. هتشيل عنك وتساعدك”.

بالليل، منى كانت بتسرح شعر ليلى وسألتها: “إيه رأيك في ماجدة؟”

ليلى ترددت شوية وقالت: “ريحتها غريبة”.

“غريبة إزاي؟”

“زي الورد القديم الدبلان”.

منى حست بقشعريرة في جسمها.

ليلى سألتها فجأة: “هو أنتِ هتمشي وتسيبيني؟”

منى وعدتها وقالت: “لأ طبعاً.. عمري ما هسيبك”.

بس أول ما ليلى نامت، منى قعدت لوحدها وهي متأكدة إن الوعد ده هيتحط تحت اختبار صعب قريب جداً.

بعد أيام قليلة من سفر جلال، البيت حاله اتقلب تماماً.

طيب حنية ماجدة اختفت وظهر وشها التاني.

أبواب تتقفل بالمفتاح.

وجبات تتمنع وليلى تجوع.

ووشوشة وكلام سم بيتقال عشان يوجع وبس.

في ليلة من الليالي، منى سمعت صوت صرخة عالية.

ولما طلع النهار، ماجدة ادعت إن ليلى ااتكعبلت ووقعت من على السلم.

ولما جلال رجع من السفر، ماجدة قعدت تعيط وتمثل.

والتهمة لِبست في منى.

الشرطة جت وقبضت عليها.

وأخدوا ليلى بعيد عنها.

ومنى اتحبست.. لحد اللحظة دي.

بالعودة لقاعة المحكمة، ليلى رفعت تليفون صغير بإيديها اللي بترتعش.

وقالت: “أنا سجلت لها فيديو”.

الفيديو اشتغل في القاعة.

والحقيقة ظهرت قدام الكل وملت المكان.

ولأول مرة..

محدش قدر يسكت الصوت ده تاني.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *