بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ

## بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ
بدأت ابنتي تطلب مني الإذن لتنام تحت طاولة المطبخ، وظننتُ في البداية أنه مجرد خوف طفولي عابر. لكن في الليلة الثالثة، احتضنت حقيبتها المدرسية بقوة وهمست لي: “هنا… تحت الطاولة لا يراني.”
كان زوجي يبتسم للجميع في الحي، يحمل أكياس الخضار من السوق، ويسلّم على الجيران بأدب… لكن طفلتي ذات السنوات التسع كانت تعرف شيئًا لم أكن أريد تصديقه.
اسم ابنتي جنى، وكان عمرها تسع سنوات حين بدأت تتوقف عن النوم في سريرها. انتقلنا قبل أشهر إلى بيت جديد في بغداد، في شارع هادئ تمتلئ صباحاته برائحة الخبز الحار وصوت الباعة القادمين من السوق القريب. كنت أقول لنفسي إن أي طفلة ستشعر بالخوف في البداية: بيت جديد، أصوات جديدة، وزوج أم جديد.
زوجي سامي كان يعاملها بلطف أمام الناس؛ يشتري لها الكليجة أيام الجمعة، ويسألها عن المدرسة، ويحمل حقيبتها حين نذهب لاجتماعات أولياء الأمور، وحتى يناديها أمام المعلمات: “أميرتي.”
الجارات كنّ يقلن لي دائمًا: “يا أمينة، أنتِ محظوظة… ليس كل رجل يقبل تربية ابنة ليست ابنته.” أما حماتي فكانت تكرر: “سامي قلبه أبيض… حافظي عليه، الرجال مثله صاروا نادرين.” وأردت أن أصدق ذلك فعلًا. كنت بحاجة إلى تصديقه، بعد سنوات طويلة قضيتها وحدي، أعمل في مطبخ صغير، أدفع الإيجار، وأشتري الملابس المدرسية والدفاتر والدواء… ظننت أخيرًا أن هناك رجلًا سيحمل معنا هذا الحمل.
لكن جنى بدأت تتغير. في البداية صارت صامتة أثناء العشاء، ثم بدأت تقضم أظافرها بعصبية، ثم صارت تخفي حقيبتها تحت السرير وكأن بداخلها سر خطير. وفي إحدى الليالي، دخلت غرفتها لأغطيها… فوجدت السرير فارغًا. بحثت عنها حتى رأيتها في المطبخ؛ كانت مختبئة تحت الطاولة، تلف نفسها ببطانية خفيفة، وتضم دميتها القديمة إلى صدرها.
همست:
— جنى… ماذا تفعلين هنا يا روحي؟
رفعت عينيها نحوي وقالت:
— أنام هنا أفضل.
— الأرض باردة يا حبيبتي، ستتعبين.
— لا بأس.
حاولت حملها، لكنها تشبثت بالأرض بقوة:
— لا يا ماما… دعيني هنا.
— لماذا؟
ضغطت شفتيها وهمست:
— لأنه لا أحد يدخل هناك.
شعرت ببرودة تسري في ظهري، وسألتها:
— من الذي لا يدخل؟
خفضت رأسها ولم تجب.
في صباح اليوم التالي أخبرت سامي. كان يجلس في المطبخ يشرب الشاي، وقميصه مكوي بعناية كعادته قبل الذهاب للعمل. قلت له:
— جنى نامت تحت الطاولة البارحة.
لم يبدُ متفاجئًا أبدًا، قال بهدوء:
— إنها تغار.
— تغار من ماذا؟
— منكِ. الآن صار لديكِ زوج. الأطفال يفعلون أي شيء حتى يجذبوا الانتباه.
قلت:
— لا أشعر أن الأمر طبيعي.
نظر إليّ بذلك الهدوء البارد الذي يهين دون أن يرفع صوته، ثم قال:
— أنتِ ربيتها وحدك ودللتيها أكثر من اللازم. إذا كنتِ ستصدقين كل قصة تخترعها، فستتحكم بكِ طوال حياتك.
أوجعتني كلماته، لأن جزءًا مني كان خائفًا فعلًا… خائفًا أن أكون أمًا سيئة، وأن أرى الوحوش في أماكن لا يوجد فيها سوى أوهام طفلة. لكن جنى ازدادت خوفًا؛ صارت تطلب مني إعداد الطعام لها من البيت رغم أن المدرسة تقدم الفطور، وقالت إنها لا تريد الجلوس مع بقية الأطفال. ثم بدأت تنتظر حتى أنام، لتأخذ بطانيتها وتعود إلى المطبخ، كنت أجدها هناك تقريبًا كل ليلة.
وفي الثالثة فجرًا ذات مرة، سمعت بكاءها الخافت. جلست قربها تحت الطاولة وهمست:
— جنى… أخبريني ماذا يحدث.
لمست وجهي بيد مرتجفة وقالت:
— ماما… إذا قال لك يومًا أن تذهبي وحدك، لا تصدقيه.
شعرت بقلبي يتوقف:
— من؟
لكنها لم تُجب. وفي تلك اللحظة ظهر سامي عند باب المطبخ، قال ببرود:
— ما زالت تمثل؟
قلت:
— إنها خائفة.
ابتسم… لكن عينيه لم تبتسما، ثم قال:
— إذًا أخبريها أن تتوقف عن إدخال أفكار مريضة إلى هذا البيت.
اختبأت جنى أكثر تحت الطاولة. والمؤلم أنني… لم أفعل شيئًا. هذا أكثر جزء يؤلمني حين أتذكره، لأن الناس يظنون أن الأم تعرف دائمًا، وترى دائمًا، وتحمي دائمًا. لكن الأذى أحيانًا لا يأتي على شكل صراخ أو ضرب أمام الجميع؛ أحيانًا يأتي في هيئة رجل مهذب، يحمل الخبز للجيران، ويقول “صباح الخير” بابتسامة دافئة.
سامي لم يصرخ عليّ يومًا في الشارع، ولم يهني أمام أهلي، لكنه داخل البيت كان يحطم روحي ببطء. كان يهمس قرب أذني: “ابنتك تستغلك. والدها الحقيقي تركك لسبب. من دوني لن تقدري حتى على دفع الإيجار. وإذا جعلتِني أبدو سيئًا… ستخرجين أنتِ، أما البنت فستبقى هنا.” كان يقول ذلك بينما أظن أن جنى نائمة في غرفتها.. أو هكذا كنت أعتقد.
وفي يوم جمعة، اتصلت بي معلمة جنى لأن ابنتي توقفت عن تسليم واجباتها المدرسية. ذهبت إلى المدرسة مرتبكة، أراد سامي أن يأتي معي، لكنني رفضت. سألني: “لماذا؟” قلت: “مجرد أمر يخص المدرسة.” أمسك ذراعي بقوة خفيفة… لكنها كانت كافية لتخيفني، ثم همس: “لا تتكلمي كثيرًا يا أمينة.”
في المدرسة استقبلتني المعلمة هناء بوجه متوتر، قالت: “جنى خائفة جدًا. تنتفض عندما تسمع خطوات خلفها، وتصرّ دائمًا على الجلوس قرب الباب.” خفضت رأسي وقلت: “ربما تمر بمرحلة نفسية.” لكن المعلمة لم ترد مباشرة، فتحت ملفًا أمامها وقالت: “وهناك شيء آخر أقلقنا.” ثم سألتني بهدوء: “هل كل شيء بخير داخل البيت؟”
شعرت أن الكلمات علقت في حلقي، كنت على وشك أن أقول “نعم”، كما أفعل دائمًا. لكنني رأيت حقيبة جنى على الكرسي… ومن جيبها الجانبي كانت دميتها القديمة تخرج قليلًا، والغرز في ظهرها مفتوحة. لاحظت المعلمة نظرتي، ثم قالت بهدوء:
— طلبت مني جنى ألا أعاقبها بسبب الدمية.
أخذت الدمية من فوق المكتب بحذر. كانت قديمة ومهترئة من الأطراف، والخياطة أسفل ظهرها مختلفة قليلًا عن باقي القماش، كأنها فُكّت ثم أُغلقت أكثر من مرة. همست المعلمة:
— جنى كانت تمنع أي أحد يلمسها… حتى عاملات التنظيف.
ثم فكّت الخياطة الخلفية ببطء، وأخرجت هاتفًا صغيرًا قديمًا.. هاتف بلا شريحة، من النوع الرخيص الذي يعمل فقط كمسجل صوتي. قالت المعلمة بصوت منخفض:
— جنى سمّته “أصوات الليل”.
شعرت بساقيّ تضعفان، ثم ضغطت زر التشغيل. في البداية… لم يكن هناك سوى احتكاك قماش وأنفاس متقطعة، كأن الهاتف مخبأ داخل شيء ضيق. ثم جاء صوتي أنا، مرتجفًا: “سامي… أرجوك لا تتحدث بهذه الطريقة.” بعده مباشرة جاء صوته، هادئًا… وباردًا بشكل مرعب: “لن تغادري هذا البيت إلا عندما أقرر أنا. وإذا واصلتِ تصديق تلك البنت… ستخسرينها.” ثم دوّى صوت ضربة قوية على الطاولة، وأضاف بعدها: “تذكّري جيدًا يا أمينة… لا أحد يصدق طفلة “درامية”، ولا امرأة يقول الناس إنها مختلة.”
غطّيت فمي بيدي. أوقفت المعلمة التسجيل فورًا. لم أعد أشعر بشيء سوى ثقل هائل فوق صدري. ابنتي لم تكن تتخيل؛ كانت توثّق.
قالت المعلمة بصوت منخفض:
— هناك تسجيلات أخرى… بعضها قصير جدًا، وبعضها بالكاد يُسمع. أحيانًا كانت جنى تنسى تشغيل الهاتف، وأحيانًا يسقط داخل الدمية.
شعرت بغصة تخنقني أكثر.. طفلتي كانت تحاول وحدها.
أكملت المعلمة:
— جنى كانت تسجل منذ أسابيع.
أسابيع كاملة. طفلتي لم تكن تنام تحت الطاولة لأنها مدللة أو خائفة من الظلام… بل لأنها كانت تخبئ الهاتف هناك. ثم أضافت:
— قالت لي إن سامي لا ينظر أبدًا تحت الطاولة… لذلك كانت تشعر بالأمان هناك.
أمسكَت المعلمة يدي وقالت بقلق:
— يا أمينة… لا تعودي إلى البيت وحدك اليوم.
هززت رأسي ببطء، لكن عقلي كان بعيدًا… في عيني جنى الصغيرتين، وفي كل مرة تجمدت فيها حين تسمع صوت المفتاح في الباب، وفي كل مرة أصرت على النوم وهي تحتضن حقيبتها المدرسية، بينما كنت أقنع نفسي أنها مجرد طفلة حساسة.
ثم فتحت المعلمة الملف من جديد، وأخرجت رسمة ملوّنة بالشمع الأسود والأحمر وقالت:
— قبل أن تسمعي بقية التسجيلات… أريدك أن تنظري إلى هذه أولًا.
مدّت الورقة نحوي بحذر، أخذتها بيد مرتجفة. كانت الرسمة لطفلة صغيرة تجلس تحت طاولة سوداء ضخمة، تحتضن حقيبتها بقوة. الطاولة لم تبدُ كطاولة… بل كقفص. وفي زاوية الورقة، رسمت جنى رجلًا طويلًا يقف قرب باب مفتوح، ذراعاه أطول من الطبيعي، ولا ملامح واضحة لوجهه… فقط عينان دائريتان باللون الأحمر.
لكن الشيء الذي جمّد الدم في عروقي… كان الجملة المكتوبة أعلى الرسمة بخط طفولي مهتز: **“قال إننا لن نرجع سوا.”**
اختنق نفسي فورًا، رفعت عيني نحو المعلمة وهمست:
— من قال هذا؟
تنهدت المعلمة هناء ببطء، ثم قالت:
— جنى سمعت سامي يتحدث في الهاتف قبل أيام… كان يظنها نائمة تحت الطاولة.
بدأ البرد يتسلل إلى أصابعي، جلست على الكرسي دون أن أشعر بنفسي، بينما تابعت المعلمة:
— حسب كلام جنى… سامي كان يتحدث مع شخص عن أخذكِ إلى مكان آخر “لترتاحي نفسيًا”، بينما تبقى جنى في مكان مختلف لفترة.
رفعت رأسي بسرعة:
— ماذا؟!
قالت المعلمة بهدوء ثقيل:
— جنى قالت إنه قال بالحرف: “البنت ستتعود بعد يومين… المهم أمها لا تخرب الخطة.”
في تلك اللحظة اختفى كل شيء حولي، لم أعد أسمع سوى دقات قلبي. كل مرة قال لي فيها سامي إنني متعبة، كل مرة جعلني أشك في ذاكرتي، كل مرة أقنعني أن خوف جنى مجرد مبالغة… كلها عادت دفعة واحدة. همست بصعوبة:
— لا… مستحيل…
لكن جزءًا داخلي كان يعرف الحقيقة منذ وقت طويل… فقط لم أملك الشجاعة للاعتراف بها.
أعادت المعلمة الهاتف إلى الطاولة أمامي وقالت:
— قبل أن تتصلي بأي أحد… المرشدة الاجتماعية نقلت التسجيلات إلى هاتف آخر.
نظرت إليها بصدمة، فأكملت:
— لم نرد المخاطرة بضياع أي شيء.
ثم أضافت بصوت مكسور:
— طفلة في التاسعة من عمرها كانت تخبئ هاتفًا داخل دميتها… وتنام تحت الطاولة لأنها تؤمن أن لا أحد سيبحث عنها هناك.
انهرت تمامًا. ليس لأنني سمعت التهديد لأول مرة… بل لأن طفلتي كانت تسمعه وحدها كل ليلة. كانت تختبئ في الظلام، وتسجل خوفها بصمت، بينما أنا أحاول إقناع نفسي أن كل شيء طبيعي. جلست المعلمة بجانبي وأمسكت يدي بقوة، ثم قالت بصوت خافت:
— يا أمينة… أظن أن جنى لم تكن تحاول حماية نفسها فقط… كانت تحاول إنقاذك أنتِ أيضًا.
ثم اقتربت أكثر وقالت بحزم هادئ:
— اسمعيني جيدًا… لا تعودي إلى البيت وحدك اليوم.
قالتها وهي تضغط على يدي برفق، وكأنها تخشى أن أنهار بالكامل.
رفعت رأسي نحوها ببطء، كنت أشعر أنني خرجت فجأة من حياتي القديمة… ودخلت مكانًا لا أعرفه؛ مكان تُقال فيه كلمات مثل: خطر، حماية، بلاغ، وخوف حقيقي. همست أخيرًا:
— لكن… إلى أين سأذهب؟
تبادلت المعلمة النظرات مع المرأة الجالسة قرب الباب، ثم قالت بهدوء:
— المرشدة الاجتماعية ستساعدك.
تقدمت المرأة نحوي، كانت في الأربعين تقريبًا، ترتدي عباءة رمادية وتحمل ملفًا سميكًا تحت ذراعها. وجهها هادئ بطريقة غريبة… هدوء أشخاص اعتادوا سماع الكوارث. جلست أمامي وقالت:
— أنا سعاد من مركز حماية الأسرة والطفل.
حتى اسم المركز أخافني، شعرت بالخجل فورًا، وكأن وجودي هنا فضيحة يجب إخفاؤها لا النجاة منها. قلت بسرعة:
— ربما هناك سوء فهم… سامي أحيانًا يغضب فقط…
قاطعتني بهدوء:
— وهل أنتِ خائفة منه؟
فتحت فمي… لكن الكلمات لم تخرج، لأنني لأول مرة منذ سنوات كنت مضطرة أن أقول الحقيقة بصوت مرتفع: نعم.. كنت خائفة. خائفة من صمته أكثر من صراخه، من طريقته حين يقف قرب الباب ويمنعني من الخروج دون أن يلمسني، من نظراته حين تتأخر جنى في النوم، من همسه البارد قرب أذني: “لا أحد سيصدقك.”
خفضت رأسي أخيرًا وهمست:
— نعم.
لم تبدُ سعاد متفاجئة، كأنها سمعت هذه الإجابة مئات المرات من نساء أخريات، قالت بهدوء:
— الأطفال لا يصنعون أماكن للاختباء من فراغ يا أمينة.
شعرت بقلبي ينكمش، ثم سألتني:
— هل لديكِ أهل أو قريبة يمكن أن تذهبي إليها مؤقتًا؟
فكرت طويلًا.. إخوتي بعيدون، وأغلب قريباتي يعتبرن سامي رجلًا مثاليًا؛ الرجل الهادئ المهذب الذي يساعد الجيران ويحفظ أسماء أطفالهم. لكنني تذكرت خالتي أم سيف، أرملة تعيش وحدها في بيت قديم بطرف بغداد، قلت بتردد:
— ربما… خالتي.
أخرجت سعاد دفترًا صغيرًا وبدأت تكتب، ثم قالت:
— قبل أي شيء، لن تعودي إلى البيت وحدك. سنرافقك أنتِ وجنى مع الشرطة لأخذ أغراضكما وأوراقكما المهمة.
رفعت عيني بقلق:
— شرطة؟
قالت بهدوء:
— التسجيلات وحدها لا تكفي لإيقافه الآن… لكنها كافية لفتح بلاغ حماية. والأهم أننا لا نريد أن تبقي وحدك معه بعد اليوم.
شعرت بدوار خفيف.. أنا التي كنت أخاف حتى من صوت المشاكل في الشارع… أصبحت فجأة أحتاج الشرطة كي أعود إلى بيتي. وفي تلك اللحظة دخلت جنى إلى غرفة المعلمات. كانت تحتضن حقيبتها بقوة كعادتها، والدمية معلقة من ذراعها بخيوط مرتخية. لاحظت فجأة أن الخياطة في ظهر الدمية مفتوحة قليلًا… كأن جنى أغلقتها على عجل قبل المدرسة.
اقتربت مني ببطء وهي تنظر إلى وجهي، ثم سألت بخوف:
— أنتِ زعلانة مني؟
انهار شيء داخلي فورًا، ركعت أمامها بسرعة واحتضنتها وقلت وأنا أبكي:
— لا يا روحي… أنا زعلانة من نفسي.
وضعت يدها الصغيرة على خدي وهمست:
— كنت أخاف يقول لك إني كذابة.
أغمضت عيني بقوة. تذكرت كل الأشياء التي تجاهلتها: كيف كانت تتجمد حين تسمع صوت مفاتيحه، كيف كانت تنام أحيانًا بحذائها، كيف كانت تخبئ قطع البسكويت داخل حقيبتها. كنت أرى الخوف… وأختار تفسيرًا أسهل. شعرت بذنب ثقيل فوق صدري، لكن سعاد قالت بهدوء:
— المهم أنكِ صدقتها الآن.
في المساء خرجنا برفقة سعاد وشرطي وشرطية. طوال الطريق إلى البيت كنت أشعر بالغثيان. الشارع الذي كنت أعود إليه كل يوم… صار يبدو غريبًا فجأة؛ أضيق، أبرد، كأنني أراه للمرة الأولى. وصلنا قبل المغرب بقليل، وكان الباب مفتوحًا. تبادل الشرطي والشرطية النظرات فورًا قبل الدخول، وحين وصلنا إلى المطبخ… توقفت أنفاسي.
كان سامي جالسًا على الكرسي وكأنه ينتظرنا منذ ساعات. أمامَه على الطاولة كانت دمية جنى.. مفتوحة من الخلف، والهاتف القديم في يده. شعرت بجنى تتشبث بملابسي فورًا.
ابتسم سامي عندما رآنا، ابتسامة هادئة أكثر من اللازم، وقال:
— أخيرًا عدتِ بعقلانية.
تقدمت الشرطية خطوة للأمام وقالت بحزم:
— السيدة هنا فقط لأخذ أغراضها.
نظر إليها سامي بهدوء مزعج، ثم قال:
— طبعًا… البيت بيتها.
لكن عينيه بقيتا مثبتتين عليّ طوال الوقت، تلك النظرة الباردة التي كانت تجعلني أراجع كل كلمة قبل قولها. رفع الهاتف قليلًا وقال ساخرًا:
— هذا هو سبب كل هذه المسرحية؟ (ثم ضحك بخفة): تسجيلات لطفلة خائفة؟
ولأول مرة انتبهت لشيء مهم… الخياطة الخلفية للدمية كانت ممزقة بالكامل. فهمت فورًا؛ لقد فتش حقيبة جنى بعد تأخرها في المدرسة… ووجد الهاتف. شعرت بالخوف يعود إليّ للحظة، جزء صغير داخلي كاد يصدق طريقة الهادئة المعتادة… الطريقة التي كانت تجعلني أشك في نفسي دائمًا. لكنني سمعت صوت تنفس جنى خلفي، التفتُّ إليها.. كانت ترتجف بالكامل وهي تحدق في الهاتف، كأنها ترى شيئًا حيًا بين يديه.
عندها فقط… تغيّر شيء داخلي. لم أشعر بالشجاعة، بل شعرت أن خوفي لم يعد مهمًا. قلت بصوت ثابت للمرة الأولى:
— سنأخذ أغراضنا ونغادر.
تغير وجهه للحظة قصيرة جدًا، ثم ابتسم مجددًا:
— إلى أين ستذهبين؟ ومن سيصرف عليكِ؟ أم نسيتِ كيف كانت حياتك قبل أن أتزوجك؟
قديمًا… كانت هذه الجملة تكسرني. أما الآن… فكل ما كنت أراه هو طفلتي المختبئة تحت الطاولة ليالي كاملة.
قالت سعاد ببرود:
— رجاءً دع السيدة تجمع أغراضها.
وقف سامي ببطء، ثم اقترب خطوة مني وهمس:
— فكري جيدًا يا أمينة…
لكن الشرطي تدخّل فورًا:
— ابقَ مكانك.
ساد صمت ثقيل، ثم ضحك سامي بعصبية وقال بصوت أعلى:
— رائع… شرطة داخل بيتي لأن طفلة مدللة تخاف من الظلام.
بدأت الأصوات ترتفع في الممر الخارجي، ورأيت ظلالًا تتحرك قرب الباب المفتوح.. الجيران. كالعادة… الناس تحب مشاهدة الكوارث من مسافة آمنة. قالت إحدى الجارات بدهشة: “مستحيل… سامي محترم جدًا.” وهزت أخرى رأسها بتردد: “أكيد في سوء فهم.” كنت أعرف تلك النظرات جيدًا؛ نظرات الناس حين يحاولون اختيار الرواية الأسهل: الرجل اللطيف… أم الطفلة الخائفة؟
وقف سامي قرب الباب كأنه الضحية وقال بحزن مصطنع:
— والله لا أفهم ماذا يحدث لها. منذ أشهر والبنت تملأ رأس أمها بالأوهام. (ثم أشار نحوي): أمينة متعبة نفسيًا فقط.
وفي الماضي… ربما كنت سأصمت فعلًا. لكن جنى أمسكت يدي فجأة وهمست:
— لا تتركيني هنا.
كان صوتها يرتجف لدرجة جعلت الجميع يلتفت إليها. وفجأة… رأى الناس ما كنت أحاول تجاهله شهورًا: الخوف الحقيقي.. ليس دلع طفلة، ولا تمثيلًا، بل خوف يجعل الجسد كله يرتعش دون سيطرة.
قالت الشرطية بحزم:
— السيدة وابنتها ستغادران الآن.
لكن سامي رفع الهاتف وقال:
— بسبب هذا؟ أي شخص يستطيع تركيب تسجيلات. (ثم نظر إلى جنى مباشرة): أليس كذلك يا أميرتي؟
اختبأت خلفي فورًا، وهنا تغيّر شيء في عيون الناس، لأن الأطفال لا يختبئون هكذا من شخص يشعرون بالأمان معه. وفجأة تقدمت جنى خطوة صغيرة، كانت أول مرة تقف أمامه دون أن تقف وتهرب، قالت بصوت مرتجف:
— إذًا شغّل التسجيل الأخير.
ساد الصمت، حتى سامي تجمد للحظة، ثم قال ببرود:
— لا أعرف عمّ تتحدثين.
لكن جنى لم تتراجع، أشارت إلى الهاتف وقالت:
— التسجيل الذي قلت فيه إننا لن نرجع سوا… التسجيل الذي أخفيته عن الباقي.
شعرت بالصدمة، حتى أنا لم أكن أعرف بوجود تسجيل آخر. تحرك الشرطي فورًا:
— أعطني الهاتف.
تراجع سامي خطوة للخلف، وهنا فقط… اختفت ابتسامته، قال بعصبية:
— لا يحق لكم أخذ شيء من بيتي! (ثم انفجر فجأة): هذه البنت كاذبة!
صرخت جنى بخوف وعادت خلفي، لكنني لم أتراجع هذه المرة. تقدمت نحوه لأول مرة وقلت:
— كفى.
نظر إليّ بصدمة حقيقية، وأكملت، وأنا أشعر أن سنوات كاملة من الخوف تخرج من صدري دفعة واحدة:
— لن تجعلني أشك في نفسي بعد اليوم… ولن تخيف طفلتي مرة أخرى.
ضرب الطاولة بعنف حتى سقط الكوب على الأرض، فصرخت جنى، وقال بصوت مرعب:
— أنتم دمّرتم حياتي! (ثم أشار إليها بغضب): منذ جاءت هذه البنت وهي تكرهني!
شهقت إحدى الجارات، لأنها فهمت أخيرًا؛ لم يكن يتحدث عن طفلة… بل عن عدو.
تدخلت الشرطة فورًا وأبعدته للخلف بعدما بدأ يرفع صوته أكثر، بينما بدأت أنا أجمع أغراضنا بسرعة: شهادات المدرسة، الدواء، بعض الملابس، وأموالي التي كنت أخبئها داخل علبة خياطة. لكن حين فتحتها… وجدت نصفها فقط. رفعت رأسي نحوه، ابتسم ببرود وقال:
— كنتِ تصرفين كثيراً.
حتى مالي… كان يتعامل معه كأنه ملكه. شعرت بالغضب يحرقني أخيرًا بدل الخوف، قلت:
— هذا مالي.
ضحك باستهزاء:
— حاولي إثبات ذلك.
لكن سعاد سجّلت الملاحظة فورًا أمام الشرطة، وهنا فقط بدأ يدرك أن الأمر خرج من سيطرته فعلًا.
وقبل مغادرتنا بدقائق، قالت إحدى الجارات بصوت منخفض:
— بصراحة… كنت أسمع أشياء غريبة أحيانًا في الليل.
وهمست أخرى:
— وأنا أيضًا… لكن ظننتها مشاكل زوجية عادية.
نظرت إليهما طويلًا، ثم قلت:
— لم تكن مشاكل زوجية… كانت طفلة تستغيث.
ساد صمت ثقيل، ثم أمسكت يد جنى وغادرنا البيت. وحين وصلت إلى الباب… التفتُّ للمرة الأخيرة. الطاولة ما زالت في مكانها؛ هادئة، خشبية، عادية جدًا. لكنني هذه المرة انحنيت قليلًا ونظرت تحتها، وكان هناك: بطانية صغيرة، زجاجة ماء فارغة، علبة بسكويت، ورسومات مطوية بعناية.
تجمدت في مكاني.. تحت الطاولة لم أجد مكان اختباء… بل وجدت عالمًا كاملًا لطفلة كانت تستعد للخوف كل ليلة. أمسكت يد جنى بقوة أكبر… ثم خرجت دون أن ألتفت خلفي مرة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *