دهب اخت جوزى حكايات رومانى مكرم

رجعت أنا ومصطفى الشقة الجديدة. الشقة اللي كنا فاكرين إننا ملكنا بيها الدنيا.. قعد مصطفى على الكنبة في الصالة، وبص للفرش والحيطان وقالي بصوت تعبان: “تصدقي يا سمر؟ الشقة دي كانت خنقاني طول الأيام اللي فاتت.. كنت حاسس إن الحيطان بتضغط على صدري. النهاردة بس حاسس إني بعرف أتنفس، رغم إن حساسي في البنك بقا صفر!”
قلتله وأنا بقعد جنبه وبطبطب على كتفه: “الفلوس تروح وتيجي يا مصطفى، المهم إننا ناكل لدمتنا بحلال وننام والذمة نظيفة. أختك صانتك قدام الناس وما قبلتش تكسرك، ودي جميلة في رقبتك طول العمر.”
مرت أسابيع قليلة.. مصطفى بدأ يفتش عن شغل جديد في مصر، يفتح بيه باب رزق من الصفر بعد ما تصفى حسابه، وكان بيحاول يتأقلم مع واقع السوق الصعب، ومواجهة الالتزامات اليومية للمنزل والعيال من غير السيولة اللي كانت معاه.
وفجأة.. وفي يوم عادي جداً ومصطفى بيحاول يدبر مصاريف البيت، جاله اتصال تليفوني من رقم دولي من إيطاليا! الرقم كان لشريكه الإيطالي القديم في المزرعة اللي كان شغال فيها قبل ما يرجع.. الشريك اتكلم بنبرة مستعجلة وقاله خبر قلب كل الموازين من جديد، وخلاه يقف في نص الصالة مش مصدق اللي بيسمعه!
أمسك مصطفى بالهاتف ويداه ترتجفان، وصوت صاحب المزرعة الإيطالي “ماركو” يتردد عبر الهاتف بنبرة حماسية متسارعة: “مصطفى! أين أنت يا رجل؟ لقد بحثت عنك كثيراً! الأوراق التي قدمناها قبل مغادرتك للحصول على الترخيص الزراعي وشراكة الصوب الحديثة تم قبولها رسمياً من الحكومة هنا! المزرعة حصلت على دعم حكومي وتسهيلات كبرى، وأنا بحاجة إليك فوراً لتتسلم إدارة المشروع كشريك بالجهد والمجهود، حصتك في الأرباح محفوظة وموقعة رسمياً، وعليك العودة فوراً للبدء!”
أغلق مصطفى الهاتف، وظل واقفاً في منتصف الصالة كأنه في حلم. تحول وجهه من الشحوب إلى الذهول، ونظر إليّ والدموع تتجمع في عينيه مجدداً، ولكنها كانت دموع الفرج هذه المرة. وقال بنبرة طفولية تخالطها الصدمة: “سمر.. ربنا ما بيضيعش حق حد، ولا بيقفل باب في وش حد استغفر ورجع للحق! السفرية اللي كنت فاكر إنها انتهت، بتتفتح لي تاني ومن باب أوسع.. باب شراكة رسمية وحلال، من غير ما أمد إيدي للحرص أو آكل حق يتيم!”

