حكاية فاتو والبقرة الصفراء (من الفولكلور الكردي)
حكاية فاتو والبقرة الصفراء (من الفولكلور الكردي)
حلقة 1
يحكى في قديم الزمان عن راعي يعيش في قرية كردية هادئة وجميلة في سفح جبل، وكان لديه زوجتان يحبهما ولا يفضل أي منهما على الأخرى. وشاءت الأقدار أن تحمل المرأتان وتلدان في نفس الوقت، وكلاهما أنجبت طفلة؛ سمت الزوجة الأولى طفلتها فاتو، أما الزوجة الثانية فقد سمتها عيشو.
وكانت البنتان ما شاء الله جميلتان كأنهما فلقة قمر، لكن أم فاتو لم يكتب لها أن تسعد مع ابنتها، فمرضت ولم يجد الأطباء لها علاجاً فتوفت ودمعتها على خدها، وبقيت البنت تحت رحمة زوجة أبيها.
توالت الأيام وكبرت الفتاتان، وكانت فاتو دائماً تتعرض للظلم من قبل زوجة أبيها. كل يوم كانت ترسل تلك المرأة الفتاتين لرعي الحيوانات، فكانت تضع في جراب ابنتها ما لذ وطاب من الأكل، أما فاتو فكانت تضع لها رغيف خبز يابس وبصلة. أما في الدار فكانت كل الأعمال المتعبة تقع على عاتق فاتو، أما كل ما هو سهل تقوم به عيشو. ولما تجلسان تعطي المرأة لابنتها كرة صوف صغيرة لتغزلها، أما فاتو فيكون نصيبها كرة صوف كبيرة، وحين تذهب أختها للنوم تبقى المسكينة تغزل ولا تنام إلا بعد أن تنتهي من الغزل. ولم تكن البنت تشتكي لأبيها لأنه لا يصدقها، فهي تعلم أن زوجته تسحره فيطيعها في كل شيء ولا يرفض لها طلباً.
ومع مرور الأيام كانت عيشو تزيد غنجاً ودلالاً وكان وجهها يشع نوراً من كثرة جمالها، أما فاتو فيوماً بعد يوم كانت تفقد جمالها الخلاب وسحرها من كثرة التعب وقلة الأكل، فلا لحم أو شحم. وكانت لدى فاتو بقرة صفراء ربتها منذ صغرها، وسبحان الله كانت هذه البقرة تحب فاتو كثيراً وتفرح لفرحها وتحزن لحزنها. فعندما كان يأتي دور فاتو في الرعي كانت تقود القطيع لكي لا تتعب فاتو معهم وتجلس للراحة، أما عندما كان يأتي دور عيشو فكانت تحرض الحيوانات على الفرار في الجبل لتقوم عيشو بالجري ورائها كامل اليوم. وكانت تلك البقرة تكره عيشو لشرها ولا تسمح لها بأن ترتاح ولو للحظة، أما الفتاة فهي دائماً تهددها بالانتقام منها، أما البقرة فكانت تفهم ما تقول البنت ثم تدور وتهز ذيلها أمامها باحتقار وهو ما يزيد في غضب عيشو منها.
وكانت هناك عجوز فقيرة لا يعرف أحد من أين أتت، تجلس دائماً على حافة الجبل، ولما ترى عيشو تقول لها أعطني من طعامك فتسخر منها وتتركها تتضور جوعاً، ولما تمر فاتو فإنها تتوقف وتقول لها تفضلي يا خالة، فكانت تقتسم معها طعامها الخشن فتدعو لأمها بالرحمة.
وفي يوم من الأيام كانت العجوز تتجول في المرعى وهي تتوكأ على عصاها، فرأت عيشو تأكل وقد نصبت منديلاً عليه خبز شعير ودجاج مشوي وخس وفجل، فاشتهت أن تأكل من ذلك الطعام لكن البنت أدارت لها ظهرها فاحمرت عينا العجوز من الغيظ ثم قالت: “يا ابنتي سترين في طريقك جدولان من الماء يتقاطعان أحدهما مياهه سوداء والثاني بيضاء، اغسلي وجهك واشربي من الماء الأسود ولا تقتربي من الماء الأبيض وستزيدين غنجاً ودلالاً إن شاء الله”. نظرت لها البنت بطرف عينها وقالت لها: “عن ماذا تتحدثين أيتها العجوز؟ أنا أمر كل يوم من هذا الطريق ولا وجود لينابيع لا بيضاء ولا سوداء، دون شك لقد أصابك الخرف، هيا أغربي عن وجهي فلقد أفسدت شهيتي”.
ثم واصلت العجوز طريقها وقد اشتد حنقها على تلك البنت الوقحة، فصادفت فاتو جالسة وقد تجمعت حولها الطيور تنقر فتات الخبز، فسألتها: “لماذا لا تأكلين مع أختك؟” ردت عليها: “إنها لئيمة يا خالة لا تريد أحداً بجانبها وقت الطعام، هيا كلي معي من خبزي!” فقالت لها العجوز: “إسمعي يا ابنتي سيعترضك جدولان من الماء يتقاطعان أحدهما مياهه سوداء والثاني بيضاء.. اغسلي وجهك واشربي من الماء الأسود ولا تقتربي أبداً من الماء الأبيض ولا تغرنك نقاوته، تذكري هذه النصيحة وإلا ستندمين”. تعجبت فاتو من حكاية العجوز لكنها ردت عليها: “نعم سأفعل ذلك يا خالة…”
الحلم الحزين – حلقة 2
بعدما اقترب وقت الغروب مشت فاتو في طريق العودة وبدأت تحس بالجوع، فقد اقتسمت طعامها القليل مع العجوز والطيور، وفجأة ظهر أمامها نبعان يتقاطعان أحدهما أسود والثاني أبيض في حفرة كبيرة. فتعجبت وقالت في نفسها: “لما مررت في الصباح بهذا المكان لم يكن هناك شيء”. فاقتربت من الماء الأبيض وقد أعجبها صفاءه لكنها تذكرت نصيحة العجوز فترددت قليلاً، ثم مدت يديها للماء الأسود وما كادت تضعه على وجهها حتى فاحت منها رائحة عطرة كالمسك، ثم شربت فلاح عليها الشبع، ثم ملأت قلتها وأكملت طريقها للبيت.
بعد قليل جاءت عيشو ورأت نفس المنظر وقالت: “لقد صدقت تلك العجوز وكنت أحسبها خرفة”، ثم رأت الماء الأبيض الصافي الذي يتلألأ كالفضة فقالت في نفسها: “دون شك فإن العجوز أرادت خداعي لأشرب من الماء الأسود وبالتالي تنتقم مني ولعله قذر أو رديء الطعم”. مدت الفتاة يدها للماء الأبيض وغسلت وجهها ثم شربت منه وقالت: “إنه ماء عذب!!! ويح تلك العجوز الكذابة حين أراها سيكون حسابي معها عسيراً!!!”
لكن بمجرد أن وصلت إلى الدار حتى فاحت منها رائحة عفنة تشبه التي عند الحمير، فأدخلتها أمها للحمام وغسلتها لكن سرعان ما ترجع تلك الرائحة، فاضطرت الأم إلى دهنها بزيت اللوز، وصارت البنت لا تشبع من الطعام مهما أكلت فزاد وزنها وقبح منظرها. أما فاتو فزاد جمالها يوماً بعد يوم وامتلأ جسمها، ورغم أن زوجة أبيها تحرمها من الطعام الجيد إلا أنها كانت تشرب من قلتها التي ملأتها من النبع، وكان ماءها أحلى من الشهد وأصفى من اللبن، وسبحان الله فإن خير القلة لا ينفذ وصارت فاتو تفيض حسناً وأنوثة كنجمة الصبح لدرجة أن كل شباب القرية ورجالها قد أغرموا بها، أما عيشو فكانت تزداد قبحاً وذبل جمالها يوماً بعد يوم.
ذات صباح قالت زوجة الأب لابنتها عيشو: “ما لك يا ابنتي تذبلين يوماً بعد يوم وصرت قذرة ورائحتك نتنة!!!” فأجابتها: “إنه بسبب الماء الأبيض”، ثم قصت عليها حكاية العجوز. فقالت والدتها: “لقد فهمت الآن فما حصل لك هذا إلا بسبب غبائك ولأنك لا تسمعين النصيحة ولقد كانت فاتو أذكى منك، والآن أرني مكان النبعين وافعلي مثلها!!!” لكن لما وصلا لم يجدا هناك شيئاً باستثناء التراب والأحجار، ولم تعلم أي منهما بسر القلة.
وبقيت الأم تفكر في حل وذهبت للسحرة والمشعوذين وكل واحد يقول لها شيئاً حتى وجدت ساحرة شمطاء قالت لها: “فاتو كالوردة الرقيقة فلو جرحت قلبها ستذبل، اذبحي بقرتها الصفراء وأطعمي لحمها لعيشو فستشفى من اللعنة التي أصابتها”. وجدت الفتاة الفرصة مناسبة لتنتقم من بقرة فاتو فقالت: “يا أمي إنها تحرض الحيوانات وتفرقهم ولذلك أنا لا أرتاح ولو لثانية في المرعى”. فصمتت الأم برهة ثم ردت: “إذا كان الأمر كذلك سنذبح تلك البقرة، أما زوجي فسأعرف كيف أقنعه وويحه إن مانع في ذلك سأدس له السحر حتى لا يعود قادراً عن فتح عينيه”.
في تلك الليلة حلمت فاتو حلماً مزعجاً ورأت أن أباها يجر بقرتها لذبحها، فاستيقظت وهي تحس بحزن شديد وفارقتها الرغبة في النوم، بقيت البنت سهرانة طوال الليل وهي قلقة وخائفة على بقرتها. ومع صياح الديكة جرت إلى الزريبة فوجدت البقرة صاحية كأنها تنتظر قدومها وقالت لها: “لقد رأينا نفس الحلم اليوم، سيذبحني أبوك وهذا ما قدره الله لي”. قالت البنت: “سأفتح لك الباب وتهربين”، لكن البقرة ردت: “اعلمي أني سأموت لتحيين أنت وهذا أمر جيد لك، موتي ليس سيئاً كما تعتقدين، وأوصيك بعدم الحزن، عليك بالصبر وكل شيء سيكون على ما يرام، هيا كفكفي دموعك واستعدي للخروج إلى المرعى فكل القطيع سيجتمع حولك اليوم لكي لا تحسين بفقداني”. بقيت البنت مع بقرتها وهي تمسح على رأسها وتبكي وتقول لها بحسرة:
من لي بعدك
فلقد رحلت أمي
ولم تجف بعد دموعي
زادي كسرة خبز
وطل الزهور شرابي
كفاني ما جرى
فالحال قد استوى
فهل ينتهي يوماً عذابي
ولما أكملت مناجاتها سمعت امرأة أبيها تناديها، فشجعتها البقرة بالانصراف بنظرة من عينها، ثم خرجت البنت من الزريبة وفي الباب التفتت إليها مرة أخيرة ثم مشت إلى الدار مكسورة الخاطر وهي تمسح دمعة كبيرة نزلت على خدها…
امرأة الأب تنال جزاءها – حلقة 3
قالت المرأة لزوجها: “إسمع يا رجل، لقد ماتت أم فاتو ولم نقدم صدقة، ما رأيك أن نذبح إحدى الحيوانات؟” رد الزوج: “صدقتِ، وسأختار كبشاً نوزع لحمه على الفقراء!!!” لكن زوجته ردت: “ونحن أليس لنا الحق في الأكل؟ فلنذبح البقرة الصفراء ونأخذ أيضاً نصيباً من اللحم، فابنتك عيشو شاحبة ويجب أن تأكل”. فكر الرجل قليلاً وبان عليه التردد فهي بقرة ابنته، لكنه في النهاية وافق فقد كان السحر الذي تدسه له زوجته قوياً، ثم قال لفاتو: “بقرتك لن تخرج للمرعى اليوم وسأقدمها صدقة على أمك”. صمتت البنت وقالت: “نعم يا أبي”، ثم خرجت للمرعى مطأطئة الرأس، ولما رأتها أختها على هذه الحال شمتت فيها فالحزن سيقضي على جمالها ولن يهتم بها أحد من فتيان القرية بعد الآن.
وقت الطعام جلست فاتو على حجر ولم تكن لديها رغبة في الأكل وتذكرت بقرتها التي كانت تعطف عليها فلم تقدر أن تمنع نفسها من البكاء، وتوقف القطيع عن الرعي وهو في غاية الحزن، ثم جلست عنزة صغيرة في حجرها فضمتها إليها لعلها تعوضها عن الحنان الذي حُرمت منه وهي لا تزال فتاة صغيرة. بعد قليل مرت بها العجوز كعادتها ولما رأتها على تلك الحال قالت لها: “أعلم سبب حزنك لكن إسمعي فالأشياء لن تبق كما كانت، فلحم البقرة فيه شفاء أختك من اللعنة التي أصابتها ويجعل قلبها يرق لك، وسيرفع أيضاً السحر عن أبيك، لشعرك شقرة لونها ولعينيك كبر عينيها، ثم ارمي العظام في حفرة واردميها وبعد أيام تجدين مكانها شيئاً يعجبك ويسلي وحدتك”.
لما سمعت البنت ذلك الكلام مسحت دموعها وسألتها: “لكن من أين علمت كل ذلك يا خالة؟” أجابتها: “أنا أعلم كل شيء يا ابنتي وستثبت لك الأيام صحة كلامي!!! والآن هيا لنطبخ طعامنا فلقد جمعت كثيراً من الفطر وأحضرت معي قدراً”. نسيت فاتو موضوع البقرة وأشعلت النار وطبخت الفطر مع البصل الذي كان عندها ثم أخرجت رغيفها وأكلت مع العجوز. مضى اليوم والبنت تفكر في جرى لها ومرة ثانية قررت تنفيذ نصيحة تلك المرأة الغريبة.
في المساء لما رجعت فاتو إلى دارهم وجدت بقرتها مذبوحة، وقال لها أبوها أنه فرق نصفها على الفقراء ولقد دعوا لأمها بالرحمة وترك النصف الآخر لهم. ولما جاء وقت العشاء وضعت زوجة أبيها أمامها قطعة كبيرة من اللحم لكي تشمت فيها وتجعلها تبكي، ولكن فاتو أكلت بشهية كبيرة فاستغربت زوجة الأب، ولما وضعت قطعة لحم في فمها غصت بها فضحكت عليها فاتو، وقالت المرأة في نفسها: “كنت أعتقد أنها ستغتاظ وتحزن ويبدو أن الغيظ سيصيبني أنا وليست هي!!!” وأكل الأب وابنتيه وانبسطوا إلا زوجته التي وجدت اللحم غير مستساغ فلعنت تلك البقرة التي لم تسلم منها في حياتها ولا مماتها.
وفي صباح اليوم التالي جمعت فاتو العظام من فوق المائدة ووضعتها في كيس ثم انطلقت إلى المرعى مع القطيع، ولما وصلت هناك اختارت شجرة عالية وحفرت تحتها ثم ردمت عظام بقرتها. مضت عدة أيام بدأت خلالها امرأة أبيها تحلم بكوابيس مزعجة ترى فيها ثوراً هائجاً يجري وراءها لتنطحها بقرونه فستستيقظ مرعوبة حتى نفر منها زوجها وبدأ السحر يخف عنه بفضل اللحم الذي أكله، أما عيشو فصارت تأتي لأختها وتجلس معها ليلعبان معاً وغابت عنها الرائحة العفنة واسترجعت تدريجياً جمالها. وتعجب الأب من فاتو فلقد صار شعرها أشقر مثل لون بقرتها وعيناها واسعتين ليس في الدنيا أجمل منهما وطلب منها أن تغطي رأسها لما تخرج من الدار. وذات صباح تذكرت فاتو الحفرة التي وضعت فيها العظام فذهبت إلى الشجرة وحفرت تحتها وقد اشتد فضولها لما ستجده هناك وفي الأخير أخرجت الكيس ولما نظرت داخله شهقت من الدهشة…
سر العجوز نورشان – حلقة 4
مكان عظام البقرة رأت في الكيس القماش والإبر وكل لوازم الخياطة والتطريز، أما أسنانها فتم تحولها إلى لآلئ ثمينة. وكانت فاتو تعشق الثياب المطرزة والزينة لكن امرأة أبيها لا تعطيها سوى فضلات ملابس أختها عيشو، وصارت البنت تجلس كل يوم تحت الشجرة تصنع ثوباً من الحرير الأبيض وتطرزه بالعدس وخيوط الذهب والفضة، ولما تتم عملها تخفي كيسها في الحفرة وتعود للبيت. أما العجوز فقد جاءتها بحذاء جديد وعطور ومواد تجميل، ولما سألتها فاتو من أين أتتها بتلك الأشياء الغالية وهي امرأة فقيرة، أخبرتها أن ذلك ليس من شأنها وصارت تجلس معها تثقب حبات اللؤلؤ ثم تجمعها في خيط من الفضة.
وكانت فاتو تتعجب من مهارة تلك العجوز وألحت عليها لتعرف قصتها لكنها تصمت. وفي أحد الأيام قالت لها بأنها من ساحرات الجان، وذات ليلة تحولت لأرنب فرماها أحد الصيادين بسهم وكادت تموت لولا أن أمها حملتها لدارها وعالجتها حتى شفيت ورجعت للغابة، وحين علمت بمرض أمها جاءت عندها واكتشفت أنها مسمومة وذلك السم لا علاج منه، وهي من أرسل لها البقرة الصفراء لترافقها وتصير صديقتها.
كانت فاتو تسمع باستغراب ثم وقفت فجأة وصاحت: “والله لا يوجد سوى شخص واحد يكره أمي ويكرهني، ومن غير امرأة أبي عملت فينا الشر! لقد جرت علينا الوبال ولا بد من عقابها على ما فعلته بنا!!!” ردت العجوز واسمها نورشان: “إن فعلت ذلك فستلحقين الضرر بأختك عيشو وهي ليست سيئة لكن أفسدتها أمها، ولا تقلقي فسنجد طريقة لعقابها، والآن إلبسي ثوبك وضعي العقد في رقبتك والحذاء في قدميك”.
اختفت فاتو وراء الشجرة وغيرت ثيابها وتجملت ثم أطلت على نورشان وسألتها: “ما رأيك يا خالة؟” بقيت العجوز تنظر إليها بدهشة دون أن تتكلم ثم قالت لها: “إسمعي من الأفضل أن لا يراك الرجال والفتيان وإلا فإنهم سيتخاصمون من أجلك!!!” ضحكت فاتو بدلال وأجابتها: “لكن في النهاية أنا من سأختار حبيبي”.
لكن فاتو لم تسمع كلام العجوز فلقد أعجبتها الزينة، وفي الغد لما جاءت في الصباح الباكر فعلت مثل ما بالأمس ثم مشت بين المروج اليانعة وهي تقطف الزهور وتمرح مع الفراشات. وكان في ذلك الوقت الأمير أسلان ابن سلطان الكرد يصيد الظباء غير بعيد عن خيام أبيه ومن معه من الأشراف، ابتعد الأمير كثيراً فلم ير حوله حتى ثعلباً صغيراً، وفجأة شاهد من بعيد فاتو فأغمض عينيه وفتحهما ليتأكد أن ما يشاهده هو الحقيقة، ظل ينظر إليها بانبهار فلم ير في حياته بنتاً بمثل هذا الجمال فتردد قليلاً ثم ذهب إليها. وحين لمحته فاتو هربت بسرعة واختبأت بين الأشجار والنباتات الكثيفة، دار الأمير في كل مكان وناداها لكنها لم تجبه، وفي الأخير ترك قلادته وذهب. بعد ساعة أتت العجوز ورأتها شاردة فسألتها عما حصل فأخبرتها عن الفارس الوسيم ومدت لها القلادة.
لما قرأت نورشان النقوش التي عليها قالت لها: “لقد اصطدت الأمير أسلان والآن سيبحث عليك في كل مكان حتى يجدك!!!” ردت البنت: “لا أريد أن أحلم فلو عرف أني مجرد راعية فسيغير رأيه”، قالت العجوز: “ضعي له اللبن في الإناء وسيرى…”
لقاء غير منتظر مع السلطان – حلقة 5
انتظرت فاتو طويلاً ثم همت بالذهاب لكنها سمعت صهيلاً يأتي من بعيد فاتبعت مصدر الصوت وإذا بها تجد فرس الأمير أما هو فلا أثر له، فمسحت على رأسه وسألته: “أين سيدك؟ هل تعرف مكانه؟” رمقها الفرس بتعجب فكيف تفهم لغة الدواب، ولم يعلم أن البقرة الصفراء هي التي علمتها ذلك، ثم مشى وتبعته فاتو حتى وصلا لمغارة في الجبل. ولما اقتربت رأت رجالاً يبدو عليهم القسوة وهم يدفعون عدداً من الفتيان وكان الأمير جالساً على الأرض مربوط القدمين وهو جريح، فأيقنت أنه وقع في يد النخاسين تجار العبيد.
لكن ماذا ستفعل بمفردها فعددهم كبير وهم مسلحون بالسيوف، فكرت قليلاً ثم ركبت الفرس وقالت له: “إذهب بنا بسرعة لخيام السلطان هيا أسرع فليس لنا وقت!!!” وبعد قليل وصلت لطرف المعسكر فرأت الهرج والمرج وعرفت أنهم افتقدوا الأمير وهم يبحثون عنه. لما رآها الحرس تصايحوا: “إنه فرس الأمير، إقبضوا على تلك البنت!!!” فأمسك بها أحدهم وجرها إلى السلطان وهي تصرخ، فلما رآها طلب منه أن يتركها وقال لها: “إن أخبرتني بمكان الأمير أطلقت سبيلك هيا تكلمي!!!” فقصت عليه كل ما جرى وكيف ترك لها القلادة وجاءته في الصباح بإناء اللبن والفرس الذي قادها للمغارة. أجابها: “لنرى إن كان كل ذلك صحيحاً والويل لك إن كنت تكذبين!!! أما الآن فستبقين هنا حتى عودتنا”. قالت له: “أرجوك يا مولاي خذني معك فأنا أعرف كيف أحتال على أولئك النخاسين ولن تقدروا على إنقاذه بالقوة”، ففكر وقال في نفسه: “لا بأس فهي جميلة ولن يحذروا منها”.
أخفت فاتو خنجراً في كم ثوبها ثم قادت قطيعها قرب المغارة، وحين رآها النخاسون قبضوا عليها مع ماشيتها وهم يهللون من الفرح فلقد كانت غنيمة كبيرة وأوثقوها برباط خفيف لكي لا يجرحوا معصميها، وقال كبيرهم: “سأبيع الفتاة بثمن كبير فهي فائقة الجمال أما الماشية ستكون طعامنا”، ثم ذبحوا خمسة خرفان وطبخوها وتحلقوا للأكل والشرب بعد ذلك تمددوا للراحة بعد أن ثقلت بطونهم.
وحين رأت فاتو أن الحركة قد هدأت وعلا شخير النخاسين، أخرجت خنجرها بحذر وقطع وثاقها ثم وثاق الفتيان والبنات. ولما رآها الأمير اندهش فماذا تفعل هنا، ولكنها أشارت عليه بالصمت ثم همست: “هيا إجروا بسرعة ناحية الأشجار!!!” وفي هذه اللحظة انتبه النخاسون أن الأسرى يهربون فركبوا الخيل ولاحقوهم، وما كادوا يصلون إليهم حتى ظهر أمامهم السلطان ورجاله فتفرقوا في البرية ونجا الأمير. وفي طريق العودة أركب فاتو معه على فرسه وكان السلطان يرمق ابنه وهو سعيد مع الفتاة فابتسم وقال في نفسه: “إنها تليق به فهي رائعة الجمال ولا تنقصها الشجاعة والتدبير”.
وحين وصلوا إلى الخيام ضمدت فاتو جرح الأمير ببعض الأعشاب ثم قالت له: “علي الرجوع الآن فلقد تأخرت كثيراً وسيكون حسابي عسيراً على فقدان الخرفان الخمسة!!!” كان السلطان يستمع إليها وقال: “إجلبي لنا لبناً”، فملأت له ولابنه قدحين فشربا ثم خاطبها: “لقد سألت نفسك في الصباح إن كان ابني يقبل بك زوجة له وقد أتاك الجواب، والآن هيا إلى داركم لأطلبك من ولي أمرك وأعوضه عن خرفانه الخمسة بخمسين خروفاً عن كل واحد عشرة إكراماً لك”.
في هذه الأثناء بدأ والد فاتو يقلق عليها فلقد حل المساء ولم ترجع واختفت هي والقطيع، وبدأت عيشو تبكي على أختها فربما هاجمتها الذئاب والضباع، أما امرأة الأب فظهرت عليها الغبطة وقالت في نفسها: “ليتها لا ترجع فأرتاح منها إلى الأبد كما ارتحت من أمها، وكل ما عند الراعي من رزق يصبح من نصيبي أنا وابنتي لا غير…”
سحر في طبق الضيوف – الحلقة 6 والأخيرة
لكن بعد قليل سمع الأب حوافر الخيل فأطل من النافذة ورأى موكب السلطان وفي مقدمته فاتو راكبة مع الأمير فتعجب لذلك أشد العجب وجرى إليها، وحين لمحته نزلت من الحصان وعانقته بفرح. وترجل السلطان والأشراف فسلم عليهم ودعاهم للدار وصاح في امرأته وابنته أن تعدا الطعام والشراب للضيوف. وبعد أن جلس السلطان أثنى على شجاعة فاتو وحكى له ما حصل ووعده بتعويضه خمسين خروفاً عن خرفانه الخمسة، ولم يصدق الأب وزادت دهشته لما طلب منه يد ابنته وقرر إعطائها مهراً مائة من البقر ومائة من الخيل ومثلها من الأغنام زيادة عن الفضة والذهب والعطور.
كانت فاتو تحمل كيسها فدخلت غرفتها ولبست الحرير وتزينت ولما خرجت للضيوف تحيروا من جمالها وهتف السلطان: “والله لقد أشرق بيت أبيك من شدة حسنك، فهنيئاً للأمير أسلان بعروسته”.
كانت امرأة الأب تطل من شق في باب المطبخ، ولما رأت اهتمام الحاضرين بفاتو جن جنونها وقالت في نفسها: “لقد كنت أنتظر أن تضيع أو تأكلها السباع فإذا بها توقع الأمير في حبائلها وتجيء به لداري، ثم من أين أتت بهذه الملابس وعقد اللؤلؤ الذي يزين رقبتها؟ لكني لن أدعها تفرح وسأفسد خطوبتها، من يجب أن تتزوج الأمير هي عيشو وليست تلك اللعينة ابنة ضرتي!!!” ثم فتحت كتاب السحر الذي ورثته عن جدتها لتبحث عن وصفة تجعل الأمير يكره فاتو، وبعد ذلك ستعرف منها سر الخير الذي ظهر عليها وفكرت أنها ربما وجدت كنزاً ولو كان الأمر كذلك فهو من حقها هي وابنتها.
لما دخلت عيشو المطبخ تعجبت وسألت أمها عما تفعله بهذا الكتاب وعندها كل هؤلاء الضيوف في الدار!!! فطلبت منها أن تهتم بالطعام أما هي ستفعل شيئاً من أجلها. فكرت البنت قليلاً وسرعان ما فهمت ما الذي تدبره للأمير وأبيه السلطان فقالت لها: “إن لم أكن مخطئة فأنت ستدسين لهما سحراً، ألم يحن الوقت لتتوبين عن الشعوذة يا أمي؟” همست الأم: “أصمتي يا لعينة!!! فأختك فاتو ليست أحسن منك ولا أقبل أن تتزوج رجلاً أحسن منك، فلو تزوجت الأمير فمن سيبقى لك؟”
جرت عيشو وافتكت منها الكتاب ثم ألقته في التنور فصعد دخان كثيف، وصاحت المرأة: “ويحك ما الذي فعلته؟ ألم أعلمك أن تكرهي فاتو؟ إنها لا تستحق الحياة ولطالما أردت أن ألحقها بأمها والآن سترين ما الذي سأصنعه بك فلم أحسن تربيتك!!!” ثم رفعت المكنسة لتضربها لكن سمعت صوتاً يقول: “يبدو أنك لم تتعلمي في حياتك سوى اللؤم والغدر”. ولما التفتت وراءها رأت عجوزاً واقفة تمسك عصاها، فسألتها من أين دخلت ثم طلبت منها أن تخرج من دارها وإلا نادت زوجها، فابتسمت العجوز وردت عليها: “ولم لا؟ ألا يحق له أن يعرف من ق*تل زوجته أم فاتو؟” قالت المرأة: “أنت لا تعلمين شيئاً!!!” أجابتها العجوز: “هذا ما تعتقدينه فأنا أعرف من يبيعك السموم وإن شئت أحضرته وسأجعله يفضحك أمام السلطان ولن يتردد في جلدك حتى تظهر عظامك عقاباً لك عن الشعوذة”.
خافت المرأة وقالت لها أنه بالإمكان التفاهم، لكن عيشو صاحت: “أحقاً يا أمي فعلت ذلك؟” أجابت: “في كل الحالات كانت ستموت لأنها مريضة”. قالت عيشو: “خذي صرة ملابسك وارجعي إلى دار أبيك ولا تريني وجهك بعد الآن، هل فهمت؟ هيا إذهبي قبل أن أخبر أبي ويطردك كالكلاب فلا أحد يأمن شرك، ودس السم عندك مثل الهواء لا تقدرين أن تعيشين بدونه!!!”
في تلك اللحظة غطت العجوز وجهها بيدها ولما رفعتها صارت امرأة جميلة وقالت لعيشو: “الآن تعرفيني فأنا ساحرة الجان وأم فاتو كانت صديقتي، وأنا من أرسل لأختك البقرة الصفراء وعظامها صارت أقمشة حرير ولآلئ، والآن ستتزوج فاتو وتصير أميرة البلاد، يكفي المسكينة ما عانته من جوع وعري”. طأطأت المرأة رأسها وعرفت أنه لم يعد لها مقام في هذه الدار وحتى ابنتها لم تعد تريدها، فأخذت صرتها وخرجت من وراء البيت.
أما نورشان فبحركة واحدة من عصاها السحرية كانت أصناف الطعام جاهزة ومعها ثوب من الحرير الأحمر لبسته عيشو، وخرجت مع نورشان بأتم زينتهما تحملان أطباق الطعام. وتعجب الراعي حين لم ير زوجته وسأل ابنته عن أمها، فأجابته أنها غادرت الدار من شدة الغيظ، ثم همس لها: “من تلك المرأة البيضاء الجميلة؟” أجابته: “إنها من جاراتنا جاءت لمساعدتنا”، فأعجبه قوامها الرشيق وابتسامتها العذبة.
أما عيشو فلما وضعت الطبق أمام ابن الوزير شغف بها ثم مال على أبيه وقال له: “أريد خطبة البنت ذات الثوب الأحمر”، فقال له: “كل طبقك الأول وبعد ذلك نتحدث!!!” لكن الفتى حلف أنه لن يمد يده للطعام. وبعدما كانت خطبة واحدة أصبحت خطبتين، أما الراعي فرأى نورشان تبتسم له فكلمها عن الخطبة، وبعد أن كانت خطبتين صارت ثلاثة، وبعد شهر تزوج الأب وبنتيه وباعوا الدار وانتقلوا للعيش في القصر.
أما امرأة الأب فلقد طردها أهلها لسوء أخلاقها وبقيت تهيم في الغابة تأكل الفطر وتشرب من ماء الغدران وهي تهدد زوجها: “أنا وراءك والزمن طويل، سيأتي يوم أسممك فيه وألحقك بامرأتك اللعينة ولن أتركك تفرح بالزواج من نورشان”.
تمت
