​مراتي بعد الحمل والخلفة تخنت أوي

مراتي بعد الحمل والخلفة تخنت أوي، وبقى شكلها مش حلو… وأمي كانت مصممة إني أتجوز واحدة “حلوة” تدلعني وتعوضني.

​“إنت لسه صغير يا ابني… هو إنت هتفضل عايش كده؟”

​قالتها أمي وهي باصة لمراتي من فوق لتحت. ندى كانت واقفة في المطبخ وقتها، سامعة، لكن عاملة نفسها مش سامعة.

​أمي كملت وهي متأكدة إن معاها حق: “بص عليها بقت عاملة إزاي، لا بتلبس زي زمان، ولا بتهتم بنفسها، وأنت تستاهل واحدة أجمل وأصغر”.

​سكت، ويمكن دي كانت أول غلطة، لأن السكوت ساعات بيبقى أخطر من الكلام. الحقيقة إن ندى فعلًا اتغيرت بعد 3 حملات وولادتين، وسنين من السهر والتعب والجري بين البيت والعيال؛ وزنها زاد، وشعرها خف، وبقت دايمًا مرهقة.

​لكن الغريب إني عمري ما سألت نفسي: مين السبب؟ مين اللي كان بيصحى بالليل لما العيال يعيوا؟ مين اللي جسمها اتغير عشان يخلف أولادي؟ مين اللي كانت تنام ساعتين وتصحى تكمل يومها عادي؟ بدل ما أفكر في ده، سيبت أمي تزرع جوايا فكرة تانية، فكرة إن مراتي بقت “مش كفاية”. ومع الوقت بقيت أسمع، وبعدين أقتنع.

​لحد اليوم اللي أمي دخلت عليا وقالت بكل بساطة: “أنا لقيتلك عروسة… بنت صغيرة جميلة وهتعرف تدلعك وتعوضك عن اللي فاتك”. وللأسف ما رفضتش.

​وبعد شهور قليلة، كنت قاعد فعلًا مع عروسة جديدة، وأمي فرحانة كأنها انتصرت. لكن اللي حصل بعدها كان أبعد حاجة عن اللي أمي كانت متخيلاه، وأبعد كمان عن اللي أنا كنت متوقعه.

​العروسة الجديدة كان اسمها ريم، بنت في آخر العشرينات، متخرجة من كلية تجارة، وشكلها فعلًا جميل زي ما أمي كانت بتقول. وأول ما قعدنا مع بعض في الرؤية الشرعية، أمي كانت حرفيًا بتتكلم أكتر مني: “ابني راجل محترم، وعنده شقة وعربية، وما شاء الله عليه ناجح في شغله”. كنت شايف الفرحة في عينيها، كأنها أخيرًا بتنفذ الخطة اللي كانت بتحلم بيها من سنين. أما أنا فكنت قاعد ساكت، وبصراحة مش عارف ليه، يمكن لأن جوايا كان فيه إحساس غريب… إحساس بالذنب. كل ما أبص لريم، أفتكر ندى، وأفتكر إنها دلوقتي في البيت لوحدها مع الأولاد، وأفتكر إنها معرفتش أي حاجة لسه، لأن أمي كانت مصرة إن الموضوع يفضل سر، قالت: “لحد ما كل حاجة تتم، وبعدين نبقى نقولها”.

​رجعت البيت يومها، دخلت لقيت ندى قاعدة على الأرض بتذاكر للبنت الكبيرة، والولد الصغير نايم على رجلها. أول ما شافتني ابتسمت وقالت: “اتأخرت ليه؟”، كذبت وقلت: “كان عندي شغل”، ابتسمت وقالت: “ربنا يقويك”. بس، ولا سألت أكتر، ولا حققت، ولا شكّت، وده كان أسوأ شيء، لأن ثقتها كانت أكبر من إني أستحملها.

​مرت أسابيع، والموضوع بدأ يدخل في الجد، وأمي بقت تتكلم عن الخطوبة والجواز كأن كل حاجة خلصت، وفي يوم قالتلي: “لازم نحدد معاد”، قلت: “استني شوية”، قالت بعصبية: “نستنى إيه؟ إنت متردد ليه؟”. ماعرفتش أرد، لأن الحقيقة إني بدأت أشوف حاجات ماكنتش شايفها؛ كل يوم، كل ساعة، كل تفصيلة. ندى كانت بتصحى قبلي بساعة، تحضر الفطار، تصحي العيال، تجهز الشنط، توديهم المدرسة، وترجع تنضف البيت، وبعدين تنزل تجيب طلبات، وتستقبلني آخر اليوم بابتسامة، رغم إنها حرفيًا كانت مِنهارة من التعب.

​وفي مرة رجعت البيت بدري، لقيتها قاعدة لوحدها في الصالة، فاكرة إن مافيش حد، وكانت بتبكي بهدوء، بكاء مكتوم. أول ما دخلت مسحت دموعها بسرعة وقالت: “الحمد لله”، كأنها اتأفشت متلبسة. سألتها: “مالك؟”، قالت: “مفيش”، لكن كان واضح إن فيه، ولأول مرة من سنين قعدت جنبها وقلت: “قولي”، سكتت شوية وبعدين قالت: “حاسّة إني كبرت فجأة”. الكلمة نزلت عليا زي الحجر، قالت وهي باصة للأرض: “بصيت في المراية النهاردة ماعرفتش نفسي، أنا مش زعلانة عشان التخن ولا عشان شكلي، أنا زعلانة إني بقيت طول الوقت تعبانة ومش قادرة أرجع زي الأول”، ثم ضحكت ضحكة صغيرة وقالت: “بس معلش، دي سنة الحياة”، وغيرت الموضوع. أما أنا، ففضلت طول الليل صاحي، لأول مرة أفكر في كل اللي حصلها، وفي كل اللي ضحت بيه.

​بعدها بأيام حصل موقف عمره ما هينساني؛ ابني الصغير كان عنده نشاط في المدرسة وكان لازم حد يحضر، أنا كنت مشغول وأمي قالت: “مافيش داعي ده طفل وهيكبر وينسى”، لكن ندى أصرت تروح رغم إنها كانت تعبانة جدًا، ولما رجعت بالليل كانت رجليها حرفيًا مش قادرة تشيلها. سألتها: “كان لازم؟”، ابتسمت وقالت: “أيوة، لأن لما طلع على المسرح فضل يبص يدور علينا، ولو مالقانيش كان هيزعل”، وبعدين طلعت صورة من الموبايل، الولد واقف على المسرح وبيضحك وفرحان. وساعتها فهمت حاجة مهمة: الحب مش كلام، الحب أفعال، الحب إن حد يفضل واقف جنبك حتى وهو مرهق، حتى وهو موجوع، حتى وهو مش واخد مقابل.

​لكن أمي ماوقفتش، بالعكس كانت مستعجلة، وفي يوم دخلت عليا وقالت: “أهل البنت عايزين رد نهائي”، قلت: “مش جاهز”، قالت: “يعني إيه؟”، قلت: “يعني مش جاهز”، فبصتلي بحدة وقالت: “إوعى تكون ضعفت، إنت هتضيع عمرك، بص لنفسك وبص لمراتك.. في فرق”. ولأول مرة رديت وقلت: “أيوة في فرق”، ابتسمت وقالت: “أهو”، لكنها اتفاجئت لما كملت: “الفرق إن ندى شالت بيت كامل فوق كتفها، والفرق إني كنت أعمى”.

​الصالة كلها سكتت، وأمي بصتلي كأنها مش مصدقة وقالت: “إنت بتقول إيه؟”، قلت: “اللي سمعتيه، ندى ما اتغيرتش لوحدها، أنا جزء من اللي حصلها، والعيال جزء، والبيت جزء، والسنين جزء، ومش من حقي أعاقبها على ده”. أمي قامت واقفة وقالت بغضب: “يعني هتلغي الجوازة؟”، بصيت في الأرض ثانية ثم رفعت عيني وقلت: “أيوة”.

​كانت أول مرة في حياتي أخالف أمي بالشكل ده، وأول مرة أحس إني باتخذ قرار من نفسي، لكن القرار ده كان له تمن؛ أمي قاطعتني أيام ورفضت تكلمني، وقالت لكل قرايبنا إني ضيعت فرصة عمرى. لكن الغريب إني كنت مرتاح لأول مرة من شهور، مرتاح لأن الكدبة الكبيرة انتهت.

​لكن لسه كان فاضل الأصعب: إني أقول الحقيقة لندى وأواجهها بكل اللي حصل، وأعترف لها إني فكرت فعلًا أتجوز عليها، وإني سمحت للكلام السام يدخل بينا. وكنت عارف إن اللحظة دي ممكن تهد كل شيء أو تبني شيء جديد، وده اللي حصل فعلاً لكن بطريقة ماكنتش متوقعها أبدًا.

​قعدت يومين كاملين وأنا مش عارف أبدأ منين، كل ما أبص لندى أحس إن الكلام تقيل لدرجة إني مش قادر أنطقه، لكن في النهاية عرفت إن التأجيل مش هيحل حاجة، والحقيقة مهما كانت مؤلمة أهون من الكذب. في ليلة بعد ما الأولاد ناموا، كانت قاعدة في البلكونة تشرب شاي والجو هادي بشكل غريب، قعدت قدامها ولأول مرة من سنين حسيت إني متوتر وأنا قاعد مع مراتي. رفعت عينيها وقالت: “مالك؟”، ابتلعت ريقي وقلت: “عايز أقولك حاجة”، ابتسمت ابتسامة بسيطة: “قول”، لكن الابتسامة اختفت أول ما شافت ملامحي وقالت: “في حاجة حصلت؟”، هززت رأسي وقلت: “أيوة”.

​وبدأت أحكي من أول كلمة قالتها أمي لحد آخر مرة قعدت فيها مع أهل ريم، ما خبيتتش حاجة، ولا حاولت أجمل نفسي، ولا ألقي اللوم على حد، كنت بحكي وكأني واقف قدام قاضي. ولما خلصت، الصمت نزل بينا… صمت طويل، تقيل، موجع. ندى ما اتكلمتش ولا حتى بصتلي، كانت مركزة في كوب الشاي اللي بين إيديها. بعد دقيقة، اتنين، خمسة، بدأت دموعها تنزل من غير صوت، من غير بكاء، مجرد دموع، وده كان أصعب بكتير من أي صراخ. قلت بسرعة: “أنا غلطان”، ما ردتش، قلت: “والله غلطان”، برضه ما ردتش، لحد ما قالت بصوت مكسور: “أنا كنت حاسة”. رفعت رأسي باستغراب، قالت: “من شهور حاسّة إنك بعيد، حاسّة إنك بقيت تبصلي بطريقة مختلفة، بس كل مرة كنت أقول أكيد أنا بتوهم”، ثم ضحكت ضحكة حزينة وأضافت: “طلع لا، قلبي كان بيتقطع”، لكنها كملت: “عارف أكتر حاجة وجعتني؟ إني كنت فاكرة إننا فريق واحد أنا وأنت، ولما الدنيا ضغطت عليا افتكرت إنك هتبقى أول واحد يسندني، مش أول واحد يقف يتفرج عليا وأنا بقع”.

​الكلام نزل عليا كصفعة لأنها كانت محقة تمامًا. الليلة دي ندى نامت في أوضة الأولاد، مش لأنها كانت عايزة تعاقبني، لكن لأنها كانت محاجة مساحة ومحتاجه تستوعب، وأنا ما اعترضتش لأن ماكانش عندي حق أعترض. مرت أيام صعبة جدًا، البيت هادئ زيادة عن اللزوم والكلام بينا قليل، لكنها ما قصرتش في حق البيت ولا الأولاد ولا حتى في حقي، وده زود إحساسي بالذنب أكتر.

​في يوم رجعت من الشغل لقيت ورقة على المكتب مكتوب فيها بخط ندى: “أنا محتاجة أرجع ألاقي نفسي”. في البداية اتوترت، لكن لما كملت القراءة ارتحت؛ كانت كاتبة إنها سجلت في نادي قريب من البيت واشتركت في برنامج تغذية، وإنها هتبدأ تهتم بنفسها مش عشاني ولا عشان أي حد، لكن عشان نفسها، وآخر سطر كان: “أنا استاهل أهتم بنفسي زي ما اهتميت بكل الناس”. فضلت أبص للورقة دقائق طويلة، لأن لأول مرة أفكر إن ندى فعلًا كانت آخر شخص بيهتم بيه الجميع حتى هي نفسها.

​بدأت مرحلة جديدة، ندى كانت بتخرج تتمشى كل يوم وتروح النادي وتقرأ كتب وترجع تضحك مع الأولاد ببطء وبهدوء، بدأت روحها ترجع، وأنا من ناحيتي كنت بحاول أصلح اللي اتكسر مش بالكلام، بالأفعال. أصبحت أرجع بدري، أساعد الأولاد في المذاكرة، أشارك في شغل البيت، أخرج معاهم، وأسيب لندى وقت لنفسها. في البداية كانت مستغربة لأنها مش متعودة، لكن مع الوقت بدأت تصدق إن التغيير حقيقي.

​أما أمي فكانت ما زالت غاضبة، وفي كل زيارة تحاول تفتح الموضوع؛ مرة تقول: “كنت هتعيش مرتاح”، ومرة تقول: “ضيعت فرصة عمرك”، ومرة تلمح إن ندى هي السبب. لكن المرة الأخيرة كانت مختلفة، كنا متجمعين على الغدا وأمي قالت قدام الكل: “بعض الستات لما بتضمن جوزها بتسيب نفسها”، سكت الجميع والكل فهم المقصود. لكن قبل ما أتكلم، ندى هي اللي ردت بهدوء شديد قالت: “ممكن يكون عندك حق يا طنط”، أمي ابتسمت وكأنها انتصرت، لكن ندى كملت: “بس في ستات كمان بتسيب نفسها وهي بتربي ولادها وبتخدم بيتها، ولما تبص تلاقي السنين عدت وهي كانت مشغولة بكل الناس إلا بنفسها”، الصمت ملأ المكان وأضافت: “وأنا فعلًا غلطت إني نسيت نفسي بس عمري ما غلطت في بيتي”. ولا حد عرف يرد حتى أمي. بعد الغدا وإحنا راجعين بصيت لندى وقلت: “أنا فخور بيكي”، ابتسمت لأول مرة من فترة طويلة وقالت: “وأنا فخورة بنفسي”، الجملة كانت بسيطة لكن معناها كبير، لأن ندى أخيرًا بدأت تشوف قيمتها من جديد.

​مرت شهور والتغيير كان واضح مش بس في شكلها، في شخصيتها، في ثقتها، في ضحكتها. وفي نفس الوقت كنت أنا بتغير وبتعلم وبفهم حاجات كان المفروض أفهمها من زمان؛ إن الجمال الحقيقي مش صورة ثابتة، الجمال بيتغير مع الزمن، لكن الوفاء والرحمة والتضحية دي حاجات نادرة وأغلى بكتير من أي شكل.

​وفي يوم حصل شيء ماكنتش متوقعه؛ أمي تعبت فجأة ودخلت المستشفى وكان لازم حد يفضل معاها، أنا كنت بين الشغل والمستشفى وأخواتي ظروفهم صعبة، والشخص الوحيد اللي وقف جنبها طول الوقت كانت ندى! نفس الست اللي أمي فضلت سنين تنتقدها، كانت هي أول واحدة توصل المستشفى وآخر واحدة تمشي، كانت تجيب لها الأكل وتساعدها وتطمن عليها من غير ما تذكر أي حاجة من الماضي.

​وفي إحدى الليالي وأنا داخل أوضة المستشفى سمعت أمي بتقول لندى: “ليه بتعملي كل ده؟”، ندى ابتسمت وقالت: “عشان حضرتك أم جوزي، وعشان ربنا بيحب الإحسان”. أمي سكتت ولأول مرة شفت الدموع في عينيها… دموع ندم حقيقية.

​بعد خروج أمي من المستشفى بأيام طلبت تقعد معانا وكان واضح إنها عايزة تقول حاجة مهمة. جلسنا جميعًا ونظرت لندى طويلًا ثم قالت: “سامحيني”، ندى اتفاجئت وأنا كمان، أمي أكملت بصوت مرتعش: “أنا ظلمتك واتدخلت في حياتكم أكتر مما ينبغي، وشفت عيوبك وما شفتش فضلك”. وكانت تلك أول مرة تعترف فيها بكل شيء، ولأول مرة شعرت أن سنوات طويلة من التوتر بدأت تذوب.

​مسحت دمعة من عينها وقالت: “في المستشفى كنت بفكر كتير، لما الواحد بيكبر ويضعف بيكتشف إن حاجات كتير كان فاكرها مهمة وهي في الحقيقة مالهاش قيمة”، ثم نظرت لندى وقالت: “كنت فاكرة إن الجمال هو أهم حاجة، وإن الست لازم تفضل زي ما كانت وهي بنت عشرين سنة، ونسيت إن الست دي إنسانة، بتتعب وبتموت وبتكبر وبتضحي”. ندى كانت ساكتة لكن عيونها بدأت تلمع بالدموع، وأمي كملت: “أنا شفتك بعيني في المستشفى وأنتِ واقفة جنبي وأنا تعبانة، وساعتها افتكرت كل مرة زعلتك فيها وكل كلمة قلتها في حقك وحسيت إني ظلمتك، مدي إيدك يا بنتي وسامحيني”. ولأول مرة من سنين طويلة ندى مسكت إيد أمي وقالت بهدوء: “ربنا يسامحنا كلنا”، وانفجرت أمي في البكاء.

​بعد اليوم ده بدأت علاقة جديدة بينهم، مش مثالية لكن مختلفة، فيها احترام وفيها تقدير وفيها مساحة من الهدوء عمرها ما كانت موجودة. وأمي بقت كل ما تشوف حد ينتقد مراته بسبب شكلها أو وزنها تقوله: “بلاش تحكم على الناس من بره”، وأحيانًا كنت أسمعها تحكي عن ندى بفخر وتقول: “دي شالت بيت كامل فوق كتفها”، وكل مرة أسمع الجملة دي أحس بوخزة في قلبي لأني افتكرت إني كنت قريب جدًا أخسر الإنسانة دي.

​مرت سنة كاملة وفي السنة دي حصلت حاجات كتير، ندى خسّت جزء من وزنها لكن الأهم من كده إنها استعادت ثقتها بنفسها، بقت تخرج وتزور صاحباتها وتشارك في أنشطة كانت بتحبها زمان، والبيت كله اتغير، الأولاد بقوا أقرب لينا والضحك رجع، وحتى أنا بقيت أشوف الحياة بشكل مختلف، بقيت أفهم إن الزواج مش مجرد أيام حلوة، الزواج الحقيقي بيبان وقت التعب، وقت المرض، وقت الضغوط، وقت ما الشكل يتغير والظروف تتغير والسنين تعدي.

​في إحدى الليالي كنا قاعدين في الشرفة، الأولاد نايمين والدنيا هادية، فبصتلي ندى وقالت: “ممكن أسألك سؤال؟ لو رجع بيك الزمن… كنت هتعمل نفس الغلطة؟”. السؤال كان صعب وصريح ومحتاج إجابة صريحة، فقلت: “لا”، سكتت شوية وقالت: “ليه؟”، تنهدت وبعدين قلت: “لأني كنت فاكر إني بدور على حاجة ناقصاني، واكتشفت إن الحاجة اللي كنت بدور عليها كانت موجودة قدامي طول الوقت. أنا كنت باصص للشكل ونسيت الإنسان، ونسيت العِشرة، ونسيت المواقف، ونسيت اللي وقف جنبي وأنا ببدأ من الصفر”. ندى ما ردتش لكن ابتسامتها كانت كفاية.

​بعدها بشهور قليلة حصل موقف صغير لكنه علمني درس كبير؛ ابنتي الكبيرة كانت بتعمل مشروع مدرسي وكان مطلوب منها تكتب عن الشخص اللي تعتبره قدوة في حياتها، كنت متوقع تكتب عن معلمة أو طبيبة أو شخصية مشهورة، لكن لما رجعت من المدرسة ورّتني الكراسة لقيتها كاتبة: “قدوتي هي أمي”. ابتسمت وسألتها: “ليه؟”، قالت ببساطة: “عشان أمي عمرها ما بتستسلم، حتى وهي تعبانة، وحتى وهي زعلانة، وحتى لما الناس بتكون قاسېة عليها… هي أقوى حد أعرفه”. بصيت لندى لقيت دموعها نازلة وهي بتحاول تستخبى، أما أنا فحسيت بالخجل من نفسي مرة تانية لأن بنتي الصغيرة شافت قيمة أمها قبل ما أنا أشوفها.

​مرت السنوات والحياة استمرت، فيها أيام سهلة وأيام صعبة لكن الفرق إننا بقينا نواجهها سوا مش كل واحد لوحده. وفي عيد جوازنا العشرين قررت أعمل حاجة مختلفة، حجزت مكان بسيط على النيل وخرجنا لأول مرة لوحدنا من فترة طويلة، قعدنا نتكلم ونفتكر السنين اللي فاتت، الحلو منها والصعب، وفجأة طلعت علبة صغيرة من جيبي، ندى بصتلي باستغراب وقالت: “إيه ده؟”، قلت: “افتحي”، فتحتها ولقت خاتم بسيط، مش أغلى خاتم ولا أكبر خاتم لكن كان ليه معنى خاص. قالت وهي متأثرة: “إيه المناسبة؟”، ابتسمت وقلت: “المناسبة إني اتجوزتك مرتين”، ضحكت باستغراب فكملت: “أول مرة يوم كتبنا الكتاب، وتاني مرة يوم قررت أتمسك بيكي وأفوق من غبائي”. كانت بتضحك وبتعيط في نفس الوقت وقالت: “الحمد لله إنك فوقت”، فقلت مبتسمًا: “وأنا كمان”.

​في نهاية الليلة دي وإحنا راجعين كنت ماشي جنبها وبصيت لها، مش بنفس العين اللي كنت ببص بيها زمان ولا بنفس المقاييس ولا بنفس التفكير؛ بصيت للإنسانة اللي شاركتني عمر كامل، وشافت أسوأ وأفضل ما فيّ، واستحملت أخطائي، وساعدتني أبقى شخص أحسن. وساعتها فهمت الحقيقة اللي كنت غافل عنها سنين: إن الجمال ممكن يتغير والشباب ممكن يروح، لكن الإنسان اللي يقف جنبك وقت الشدة… ثروة ما تتعوضش، وإن أكبر غلطة ممكن يعملها أي شخص إنه يقيس قيمة شريك حياته بشكل شكله وينسى قلبه وعِشرته ووفاءه.

​تمت القصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *