نذر الظلام
نذر الظلام
في اللحظة التي دوّى فيها الصوت خارج البيت، انطفأت الفوانيس كلها دفعة واحدة، كأن الليل ابتلع النور بيد واحدة. تراجعت النساء صارخات، وسقط الخاتم من يد المرأة الحاسدة بعدما صار ساخنًا كالجمر، لكن الأوان كان قد فات.
اهتزّ الباب بعنف، ثم انشق الهواء نفسه أمام البيت، وخرجت منه ظلال طويلة بعيون حمراء، لا تُرى ملامحها كاملة، فقط عباءات سوداء تتحرك بلا أرجل واضحة، وكأنها دخان له هيئة بشر.
تجمد الدم في عروق أهل الحي، وبدأ الأطفال بالبكاء، بينما أمينة احتضنت ابنتها وهي ترتعش وتردد آيات من القرآن بصوت متقطع.
أما الكلب الأسود فوقف أمام الباب كالحارس، وارتفع شعره الأسود، ثم قال بصوت لم يعد يشبه نباح الحيوانات:
“أقسمت أني سأحميها… حتى لو عدتُ عبدًا للعنة.”
اقتربت أكبر الظلال وقالت بصوت أجش:
“أمير الجن لا يحق له الهرب مع بشرية… وأنت تعرف قانون المملكة.”
ثم ظهرت عينان ضخمتان وسط الظلام، عينان تشبهان عيني الأمير تمامًا، لكنهما مليئتان بالحقد، وقال الصوت:
“أخيرًا وجدتك يا أخي.”
عرفت زهرة فورًا أنه الأخ الذي لعنه.
فجأة تحول الكلب الأسود أمام الجميع، وبدأ جسده يتمدد حتى عاد إلى صورته الحقيقية؛ شاب طويل بملابس سوداء مطرزة بخيوط فضية، وعينين فيهما تعب مئة عام. وقف أمام البيت كأنه سور بشري، ثم قال:
“خذني وحدي… واتركها.”
لكن الصوت ضحك ضحكة جعلت الزجاج يرتجف:
“لو كنت أريدك وحدك لما انتظرت كل هذه السنين. البشر كسروا السر… والآن ستدفع الفتاة وأمها الثمن.”
صرخت أمينة وهي تبكي:
“خذوني أنا! أنا من نطقت بالنذر! ابنتي لا ذنب لها!”
فردّ الصوت:
“بل ذنبها أنها أوفت… بينما البشر دائمًا يخونون.”
ثم خرج من الظلام رجل شديد الوسامة، لكنه مخيف بشكل لا يوصف، جلده شاحب، وعيناه فضيتان بلا بؤبؤ واضح، وعلى رأسه تاج أسود يشبه القرون الصغيرة.
نظر إلى الأمير باحتقار وقال:
“أكنت تظن أن الحب يكسر لعنتي؟”
رد الأمير:
“لم يكسرها الحب… بل الرحمة.”
اقترب الأخ أكثر، ثم نظر إلى زهرة وقال:
“تعالي معي، وسأترك أهلك أحياء.”
لكن زهرة رفعت رأسها رغم خوفها وقالت:
“لن أترك زوجي.”
ساد صمت ثقيل.
حتى الجن الواقفون بالخارج نظروا إليها بدهشة، كأن أحدًا لم يتوقع من بشرية أن تقول هذا.
اقترب الأخ منها ببطء وقال:
“هل تعرفين من يكون؟ هذا الذي تدافعين عنه قتل نصف مملكته.”
صرخت زهرة:
“كاذب!”
لكن الأمير أغلق عينيه للحظة، ولم ينكر.
شعرت زهرة وكأن الأرض اختفت تحتها.
نظر إليها الأمير بحزن وقال:
“كنتُ أميرًا مغرورًا… كنت أظن القوة أهم من الرحمة. وعندما مات أبي، حاول أخي أن يأخذ العرش، فحاربته… واحترقت المملكة بيننا. آلاف الجن ماتوا بسببي، وعندما أدركت ما فعلته كان كل شيء انتهى.”
قال الأخ ببرود:
“نسيَ أن يخبرك أنه قتل أمنا أيضًا.”
تراجع الأمير وكأن الكلمة طعنته.
أما زهرة فشعرت بقلبها يتمزق، لأنها لأول مرة ترى الرجل الذي أحبته ضعيفًا ومكسورًا بهذا الشكل.
قال الأمير بصوت خافت:
“لم أقصد قتلها… كانت تحاول إيقافنا… والسحر انفلت.”
ثم نظر إلى أخيه:
“وأنت لعنتني لأنك أردت العرش.”
ابتسم الأخ:
“نعم… وأخذته بالفعل.”
ثم فجأة رفع يده، فانفجرت الريح داخل البيت، وتطاير كل شيء، وسقط عبد الجبار أرضًا بعدما ارتطم بالحائط، بينما بدأت أمينة تختنق كأن يدًا خفية تعصر رقبتها.
صرخت زهرة:
“توقف!”
فقال الأخ:
“اختاري الآن… إما أن تعودي معه إلى عالم الجن وتحكمي بجانبه تحت أمري، أو يموت أهلك أمامك.”
بكت أمينة وهي تشير لابنتها:
“لا تهتمي بنا… اهربي.”
لكن زهرة كانت ترى الموت يقترب من أهلها فعلًا.
وفجأة تذكرت كلام الأمير فوق السماء:
“البشر نقاط صغيرة تتقاتل على فتات.”
وفهمت لأول مرة معنى كلامه.
كل هذا الخراب بدأ بسبب الطمع والخوف والكبرياء.
مسحت دموعها، ثم خلعت الخاتم من يدها وقالت:
“أنا سأذهب.”
صرخ الأمير:
“لا!”
لكنها نظرت إليه بعينين ثابتتين وقالت:
“إذا كنت تحبني فعلًا… فأنقذ أمي وأبي.”
ثم مشت نحو الأخ بخطوات مرتجفة، لكنه ابتسم لأول مرة منذ ظهوره.
وفي اللحظة التي مدّ يده إليها، حدث شيء لم يتوقعه أحد.
أمينة، التي كانت ترتجف طوال الوقت، زحفت بصعوبة نحو الخاتم الواقع على الأرض، ثم أمسكت به وصرخت بأعلى صوتها:
“يا رب… أنا التي نذرت، وأنا التي أخطأت… فلا تجعل ابنتي تدفع الثمن وحدها!”
وفجأة انفجر الخاتم بنور أبيض هائل.
صرخت الظلال كلها دفعة واحدة، وبدأت تتراجع كأن النار اشتعلت فيها.
أما الأخ فتغير وجهه لأول مرة وصرخ:
“مستحيل… دعاء الأم!”
ارتج البيت كله، وبدأت الأرض تتشقق تحت أقدام الجن.
الأمير أمسك بزهرة بسرعة، بينما النور يزداد قوة، ثم نظر إلى أمينة بدهشة وقال:
“النذر انكسر…”
صرخ الأخ بغضب:
“لا يمكن كسر سحر الدم!”
لكن عجوزًا ظهرت فجأة وسط النور… نفس المرأة العجوز التي كانت تخدم زهرة في القصر.
قالت بصوت هادئ:
“كل سحر في الدنيا ينكسر أمام أم ندمت بصدق.”
ثم رفعت عصا خشبية صغيرة، فتحولت الظلال إلى رماد أسود تطاير في الهواء.
أما الأخ فبدأ جسده يتشقق، وخرج من داخله دخان كثيف، وهو يصرخ:
“لن ينتهي الأمر! سيعود باب العالمين وينفتح من جديد!”
ثم اختفى وسط عاصفة سوداء هائلة، تاركًا خلفه رائحة احتراق مرعبة.
ساد الصمت.
الحي كله واقف لا يفهم ما الذي حدث.
أما زهرة فركضت نحو أمها واحتضنتها بقوة وهي تبكي:
“سامحيني يا أمي…”
فبكت أمينة وقالت:
“بل سامحيني أنتِ… لأن خوفي كاد يضيعك مني.”
نظر الأمير إلى السماء طويلًا، ثم قال:
“الباب انغلق… لكن ليس للأبد.”
سأله عبد الجبار بخوف:
“ماذا يعني هذا؟”
رد الأمير:
“عالم الجن وعالم البشر بينهما عهود قديمة، وما حدث الليلة كسر جزءًا منها.”
ثم نظر إلى زهرة بحزن واضح.
فهمت فورًا ما يريد قوله، فسألت بصوت مرتجف:
“هل ستتركنا؟”
اقترب منها ببطء، ثم أمسك يدها وقال:
“إذا بقيت هنا… سيفتح أخي الحرب على البشر. وإذا عدت وحدي… ربما أستطيع إيقافه.”
بدأت دموع زهرة تنزل بصمت.
كانت تعرف أنه يقول الحقيقة.
قالت أمينة بسرعة:
“خذ ابنتي معك.”
لكن الأمير هز رأسه:
“عالمنا ليس مكانًا للبشر… وهي تستحق حياة طبيعية.”
صرخت زهرة:
“وأنت؟!”
ابتسم لأول مرة ابتسامة حزينة وقال:
“أنا لست طبيعيًا أصلًا.”
ثم خلع الخاتم من إصبعه ووضعه في يدها.
وقال:
“إذا اشتقتِ إليّ يومًا… انظري إليه فقط.”
وفجأة بدأ جسده يتحول إلى دخان أسود خفيف، بينما الريح تدور حوله.
ركضت زهرة نحوه وهي تبكي:
“لا تتركني!”
لكن أصابعه بدأت تختفي بين يديها.
قال بصوت بعيد:
“أحيانًا… الحب لا يعني أن نبقى معًا.”
ثم اختفى تمامًا.
سقطت زهرة على الأرض تبكي بحرقة، بينما عاد الضوء إلى الحي شيئًا فشيئًا، وعاد صوت الديكة والناس وكأن الليل المرعب لم يكن إلا كابوسًا.
مرت السنوات.
وصارت زهرة امرأة هادئة، لكن الحزن لم يفارق عينيها أبدًا.
كانت كل ليلة تصعد إلى سطح البيت وتنظر للسماء الطويلة، ممسكة بالخاتم الأسود.
وفي إحدى الليالي، بعدما مرّ عشرون عامًا، سمعت نباحًا بعيدًا عند الباب.
تجمد قلبها.
نزلت ببطء وفتحت الباب…
فلم تجد أحدًا.
فقط وردة سوداء موضوعة على العتبة… وتحتها ورقة صغيرة مكتوب فيها:
“ما زلت أبحث عن قلب لا يخاف الحب.”
فابتسمت زهرة لأول مرة منذ عشرين سنة… ثم بكت.
