مرات ابني بقلم منى السيد
مرات إبني كانت بتديني عيش بايت وهي وإبني بياكلوا لحمة مشوية، وكانت دايمًا تقول الحاجة السخنة لأهل البيت… لكن محدش فيهم كان يعرف السر اللي مدفون تحت شجرة الجوافة في الجنينة.
”العيش الطري معمول لأهل البيت… إنتِ يكفيكي العيش البايت بتاع امبارح”، قالتها نجلاء بصوت عالي قدام الكل، من غير ما تحاول حتى توطي صوتها، كأنها عايزة الجيران كلهم يسمعوا.
أنا الحاجة أمينة، عندي 74 سنة، وإيديا اتبهدلت من سنين الشغل والتعب. كنت قاعدة على طرف السفرة الصغيرة اللي جنب المطبخ، بينما ابني أحمد ومراته نجلاء وحفيدي عمر قاعدين قدام أطباق اللحمة المشوية والسلطات. أما أنا فكان قدامي طبق فيه شوية أكل بارد من امبارح. الوجع الحقيقي ماكانش في الأكل، الوجع كان إني أشوف ابني أحمد مطاطي راسه وساكت.
من تلات شهور بس، لما قفلت الورشة اللي كنت شغالة فيها من سنين طويلة، هو اللي كلمني بنفسه: “تعالي يا أمي اقعدي معانا… البيت بيتك”. وصدقته… بعد وفاة جوزي الله يرحمه، ربيت أحمد لوحدي. اشتغلت ليل ونهار عشان أعلمه وأجوزه وأوقفه على رجليه. ولما اتجوز، أنا اللي ساعدته يشتري الشقة اللي عايشين فيها دلوقتي. جيتلهم بشنطتين هدوم، فاكرة إني هقضي آخر سنين عمري وسط أهلي وولادي.
بس نجلاء كان ليها رأي تاني… في الأول قالت إن السفرة ضيقة… بعدها نقلتني أكل في المطبخ، وبعدين بدأت تديني بواقي الأكل، وكل مرة كانت تقول نفس الجملة: “الظروف صعبة يا طنط أمينة… وكل واحد لازم يستحمل”. وأحمد يسمع ويسكت… الشخص الوحيد اللي كان بيتكسف من اللي بيحصل هو عمر، حفيدي اللي عنده سبع سنين.
في ليلة من الليالي دخل عليا وأنا قاعدة لوحدي. كان لابس بيجامة عليها عربية سباق، ومستخبي ورا ضهره. طلع حتة لحمة صغيرة ملفوفة في منديل.
— خدي يا تيتا… خبّيتها عشانك.
ابتسمت بالعافية:
— كلّها إنت يا حبيبي.
— لا… إنتِ لازم تاكلي.
— وإنت كمان لازم تكبر.
بصلي بعينيه الصغيرة وقال: “المدرسة قالت إن الجدود زي الشجر الكبير… بيدّوا ضل لكل اللي حواليهم”.
ساعتها دموعي نزلت غصب عني. ومن اليوم ده، عمر بقى يزورني في السر. مرة يجيبلي جبنة، مرة يجيبلي رغيف سخن، ومرة يخبّيلي قطعة فراخ في جيبه. وأنا أحكيله عن زمان، وعن الأيام الحلوة، وهو يرسمنا كلنا قاعدين على سفرة واحدة.
لكن محدش كان يعرف السر اللي شايلاه جوايا. طول عمري كنت بخبي جزء من فلوسي. وكل ما أوفر مبلغ كويس، كنت أشتري دهب. مش غاوية بنوك ولا حسابات. لحد ما جمعت ثروة كبيرة، حوالي خمسة مليون جنيه، وحطيتهم في صندوق حديد مقفول بإحكام، ومن سنين طويلة دفنته تحت شجرة الجوافة اللي في جنينة البيت، والأهم من كده… الشقة نفسها لسه باسمي أنا. عمري ما قلت لأحمد الحقيقة. كنت عايزة أعرف هيحترمني عشاني أمه… ولا عشان الفلوس.
في يوم جمعة، عمر دخل عليا جاري وفي إيده قطعة لحمة ملفوفة في منديل… قبل ما يوصلها ليا، دخلت نجلاء فجأة. وشها كان أحمر من الغضب:
— إنت بتعمل إيه هنا؟
اتخض عمر:
— كنت بدي تيتا حتة لحمة.
مسكته من دراعه بعنف:
— مش قولتلك متديهاش حاجة؟
بدأ الولد يعيط:
— بس يا ماما… تيتا جعانة.
— تاكل اللي يتحطلها وبس!
في اللحظة دي دخل أحمد بعد ما سمع الصوت. بص لعمر، وبصلي، وبعدين بص لمراته… وقال بهدوء: “وطي صوتك شوية… الجيران هيسمعوا”. بس… ولا كلمة واحدة يدافع بيها عن ابنه… ولا عن أمه. من اليوم ده نجلاء بدأت تحبس عمر في أوضته وقت العشا، من الساعة ستة لحد تسعة بالليل، وكنت كل يوم أسمعه بيعيط ويطلب مية… ساعتها فهمت إن سكوتي بقى بيأذي أكتر ما بيفيد.
بعد كام يوم سمعت نجلاء بتتكلم مع جارتها في البلكونة وقالت وهي بتضحك: “والله الست دي حمل تقيل… يا رب ربنا ياخدها ونرتاح”. الجملة دي كسرت آخر حاجة جوايا… وفي اليوم اللي بعده خرجت الجنينة وهي ماسكة مجلة ديكورات، وقالت لأحمد: “الشجرة دي لازم تتشال”.
— ليه؟
— عايزة أعمل مكانها حمام سباحة صغير للأطفال.
وأشارت بإيديها على نفس المكان… نفس المكان اللي مدفون تحته صندوق الدهب. في الليلة دي ما نمتش. بصيت على ابني وهو نايم… وسمعت حفيدي بيعيط جوه أوضته، وخدت قراري… مش هتوسل لمكان في بيت أنا اللي ساعدت في شراؤه، ومش هسيب حفيدي يتعلم إن الرحمة ضعف.
الساعة تلاتة الفجر… مسكت الفأس الصغيرة وخرجت للجنينة. وقفت تحت شجرة الجوافة، والهواء البارد بيحرك فروعها كأنها بتهمسلها بكلام قديم من أيام زمان. بصت حواليها تتأكد إن الكل نايم، وبدأت تحفر. ضربة… وراها ضربة… وراها ضربة تالتة… والعرق بدأ ينزل من على جبينها رغم برودة الجو.
بعد حوالي نص ساعة سمعت صوت اصطدام قوي (طن!). وقفت فجأة، قلبها دق بسرعة. نزلت على ركبتها وبدأت تزحزح التراب بإيديها، وفجأة ظهر طرف الصندوق الحديد. نفس الصندوق اللي مدفون من أكتر من عشرين سنة. ابتسمت لأول مرة من شهور، لكن قبل ما تخرجه بالكامل، سمعت صوت باب البلكونة بيتفتح. اتجمدت مكانها. رفعت رأسها ببطء، ولقت حد واقف فوق. كان أحمد، ابنها، واقف يبصلها من البلكونة. اتوترت، لكن الغريب إنه ما قالش حاجة. فضل واقف دقيقة كاملة، وبعدين رجع لجوه وقفّل الباب.
الحاجة أمينة فضلت باصة للمكان اللي كان واقف فيه. قلبها اتقبض، يا ترى شاف إيه؟ لكنها كملت، وطلعت الصندوق، وحطته على عربة قديمة موجودة في المخزن، وغطته بشوال خيش. قبل أذان الفجر كانت راجعة أوضتها كأن شيئًا لم يكن.
الصبح… صحيت على صوت نجلاء وهي بتزعق في عمر: “كام مرة أقولك ما تفتحش التلاجة من غير إذن؟”، “كنت عطشان يا ماما”، “ما تردش عليا!”. صوت الخبطة اللي بعدها خلا الحاجة أمينة تقوم من مكانها. خرجت بسرعة، ولقت عمر ماسك خده وبيبكي. ساعتها حصل شيء لأول مرة. الحاجة أمينة وقفت قدام نجلاء وقالت: “إوعي تمدي إيدك عليه تاني”.
نجلاء اتفاجئت: “نعم؟”
— اللي سمعتيه.
— هو إنتِ هتعلميني أربي ابني؟
— لا… بس هعلمك الرحمة اللي شكلك نسيتيها.
في اللحظة دي دخل أحمد، وبص للتلاتة: “فيه إيه؟”.
نجلاء سبقت الكل: “أمك بتتدخل في تربية ابني”.
الحاجة أمينة بصت لابنها مستنية، مستنية مرة واحدة بس يقف جنب الحق، لكن أحمد قال ببرود: “يا أمي خلينا عايشين في هدوء”. الجملة وقعت على قلبها زي الحجر. دخلت أوضتها من غير كلمة، وقفِت الباب، وساعتها أخدت القرار النهائي.
بعد يومين، كان أحمد ونجلاء قاعدين في الصالون، وفجأة سمعوا جرس الباب. فتح أحمد، لقى راجل أنيق لابس بدلة.
— أستاذ أحمد؟
— أيوه.
— معايا إخطار رسمي لحضرتك.
استغرب: “إخطار بإيه؟”.
— هتعرف لما تقراه.
استلم الورق، وقفل الباب، وفتح المظروف. ومع أول سطر… وشه اتغير. نجلاء خطفت الورقة من إيده وبدأت تقرأ، وبعد ثواني شهقت: “إيه ده؟!”. كانت الورقة بتقول إن المالكة الأصلية للشقة قررت مراجعة وضع الإقامة داخل العقار واتخاذ إجراءات قانونية تخص الملكية. نجلاء بصت لأحمد بصدمة: “مالكة الشقة؟”.
— أيوه.
— مين المالكة؟
أحمد بلع ريقه بصعوبة لأنه فجأة افتكر حاجة كان ناسيها من سنين… أول عقد شراء للشقة، العقد اللي أمه دفعت أغلب تمنه، واللي يومها قالتله: “سيب الأوراق معايا مؤقتًا”. في اللحظة دي فقط، بدأ الخوف الحقيقي يدخل قلبه.
أما الحاجة أمينة… فكانت قاعدة جوه أوضتها وبجانبها حقيبة سفر صغيرة، وفي داخلها مفتاح صندوق الدهب، وأوراق الملكية، وأسرار عمرها كلها. لكن المفاجأة الأكبر كانت لسه جاية، لأن أحمد ما كانش يعرف إن أمه خلال الأيام اللي فاتت قابلت شخصًا هيقلب حياة البيت كله رأسًا على عقب.
في الليلة دي… ماحدش في البيت نام مرتاح. نجلاء كانت ماشية رايحة جاية في الصالة، وأحمد قاعد ساكت، عينيه ثابتة على ورقة الإخطار. أما الحاجة أمينة فكانت قاعدة في أوضتها، ماسكة صورة قديمة ليها وهي شايلة أحمد وهو طفل صغير. بصتلها طويل وهمست: “يا خسارة يا ابني… يا خسارة”.
تاني يوم الصبح… سمعوا جرس الباب. فتحت نجلاء وهي متوترة، ولقت راجل كبير في الستينات، لابس بدلة شيك، ومعاه شنطة جلد. أول ما شافته الحاجة أمينة قامت من مكانها: “أهلاً يا أستاذ فؤاد”.
نجلاء استغربت، وأحمد اتجمد مكانه، لأنه عرف الراجل فورًا؛ كان المحامي القديم اللي كان بيتعامل مع أبوه الله يرحمه. دخل وقعد، وطلع ملف سميك جدًا وقال بهدوء: “كل الأوراق جاهزة يا حاجة أمينة”.
هنا بدأت نجلاء تقلق بجد: “أوراق إيه؟”.
المحامي فتح الملف، وأخرج عقد الشقة الأصلي وحطه على الترابيزة: “الشقة دي مسجلة باسم السيدة أمينة بالكامل”. نجلاء خطفت العقد، قلبت الصفحات بسرعة، ومع كل صفحة كان وشها بيصفر أكتر: “مستحيل!”. أما أحمد فكان ساكت، لأنه لأول مرة يكتشف إن أمه كانت مخبية أكتر مما تخيل.
في الأيام اللي بعدها… اتغير أسلوب نجلاء فجأة. بقت تدخل للحاجة أمينة العصير لأوضتها، وتسألها: “محتاجة حاجة يا ماما؟”، وتجيب لها أكل سخن مخصوص، وتقعد جنبها تحاول تضحكها. لكن الحاجة أمينة كانت بتبص لها وتبتسم بس، ابتسامة هادية كأنها شايفة كل حاجة.
وفي يوم دخل عمر لأوضة جدته وسألها: “تيتا… ليه ماما بقت طيبة فجأة؟”. ضحكت الحاجة أمينة وربتت على شعره: “مش كل الناس يا حبيبي بتتغير عشان الحب. في ناس بتتغير عشان الخوف”.
عمر سكت شوية ثم قال: “وأنا بحبك عشان إنتِ تيتا بس”. نزلت دمعة من عين الحاجة أمينة، لأن الطفل الصغير فهم حاجة الكبار ما فهموهاش.
بعد أسبوع… الحاجة أمينة طلبت تجمع الكل بعد العشا: أحمد، ونجلاء، وعمر، والمحامي فؤاد. أول ما قعدوا قالت بهدوء: “عندي قرار مهم”. نجلاء ابتسمت بسرعة: “اللي تشوفيه يا ماما”. لكن الحاجة أمينة تجاهلتها، وفتحت ملف صغير كان قدامها وقالت: “أنا كتبت وصيتي”. هنا اتسعت عيون الجميع، حتى أحمد رفع رأسه بسرعة.
المحامي بدأ يقرأ: “أوصي بكامل مدخراتي وأملاكي لمن يستحقها…”. ابتلعت نجلاء ريقها، وأحمد شد أعصابه، أما عمر فكان مش فاهم حاجة. ثم أكمل المحامي: “وسيتم إعلان المستفيد النهائي بعد تنفيذ شرط وضعته السيدة أمينة بنفسها”.
نجلاء صرخت: “شرط إيه؟”.
ابتسمت الحاجة أمينة لأول مرة وقالت: “اختبار”.
سكت الجميع. اختبار هيكشف مين بيحب الحاجة أمينة الإنسانة… ومين بيحب الحاجة أمينة صاحبة الفلوس. وفجأة أخرجت ظرفًا مغلقًا وحطته فوق الترابيزة ثم قالت: “من النهارده… أنا هسيب البيت لمدة شهر كامل”. شهقت نجلاء: “هتمشي؟”.
— أيوه.
— وهتروحي فين؟
ابتسمت الحاجة أمينة: “المكان مش مهم”. ثم أشارت للظرف: “المهم إن الإجابة كلها موجودة جوه الظرف ده. وأي حد يفتحه قبل رجوعي… هيخسر كل حاجة”. هنا ساد الصمت. لكن الحاجة أمينة كانت عارفة إن الليلة دي مجرد البداية… لأنها قبل ساعات قليلة فقط، كانت قد نقلت الصندوق المدفون من تحت شجرة الجوافة إلى مكان آخر لا يعرفه أحد… ولا حتى المحامي نفسه. وكانت تنتظر لترى من سيصبر… ومن سيكشف حقيقته عندما يظن أن الملايين أصبحت قريبة من يده.
خرجت الحاجة أمينة من البيت صباح اليوم التالي. شنطة صغيرة في إيدها، وعصاها الخشبية في الإيد التانية، وعمر واقف عند الباب بيعيط: “هترجعي يا تيتا؟”. انحنت بصعوبة وقبّلت جبينه: “هرجع يا حبيبي… بس أوعى تخلي قلبك يتغير”. هز رأسه وهو مش فاهم قصدها. أما نجلاء فكانت واقفة ورا الباب، بتحاول تمثل الحزن. وأحمد واقف ساكت كعادته.
ركبت الحاجة أمينة العربية ومشيت. لكن الحقيقة… إنها ما راحتش بعيد. استأجرت شقة صغيرة في حي تاني بمساعدة المحامي فؤاد، وكانت تراقب كل حاجة من بعيد. بعد أسبوع واحد بس… بدأ القناع يقع. في أول يومين كانت نجلاء بتتكلم عن الحاجة أمينة وكأنها أمها. بعد أربعة أيام بقت تتضايق من غياب الأخبار. بعد أسبوع… قالت لأحمد وهي فاكرة إن عمر نايم: “أنا مش فاهمة هي مخبية الفلوس فين!”.
رفع أحمد رأسه فجأة: “نجلاء!”.
— إيه؟ ما دي الحقيقة.
— دي أمي.
— وأنا مالي؟ أنا عايزة أعرف الملايين دي راحت فين.
كان عمر واقف خلف الباب يسمع كل كلمة، وساعتها حس لأول مرة إن أمه مش زعلانة على جدته… لكن زعلانة على حاجة تانية.
في نفس الليلة… خرجت نجلاء للجنينة ومعاها كشاف. بدأت تلف حوالين شجرة الجوافة، وتحفر هنا شوية وهنا شوية، وتبص تحت الجذور، لكن ما لقتش حاجة، لأن الصندوق كان اختفى بالفعل. ولما رجعت للبيت كانت عصبية بشكل مخيف. مرت أيام، وفجأة وصل خطاب جديد، المحامي هو اللي بعته، فتحوه بسرعة وكان فيه سطر واحد فقط: “الاختبار ما زال مستمرًا”.
جن جنون نجلاء: “اختبار إيه ده؟ هي بتلعب بينا؟”. لكن أحمد كان بدأ يشعر بشيء مختلف. بدأ يتذكر… يتذكر أمه وهي راجعة من الشغل متأخرة، يتذكرها وهي تبيع غويشة دهب عشان يدفع مصاريف الجامعة، يتذكرها وهي تنام من غير عشا عشان هو ياكل. ولأول مرة منذ سنوات… شعر بالخجل من نفسه.
بعد أسبوعين… مرض عمر. حرارته ارتفعت جدًا، ونجلاء كانت مشغولة بخناقة مع أحمد بسبب الفلوس والوصية. أما أحمد فاضطر يأخد ابنه للمستشفى، وهناك… بينما كان ينتظر الدكتور، لقى ممرضة بتقوله: “في ست كبيرة سألت على الولد من شوية”.
استغرب: “ست كبيرة؟”.
— أيوه… شكلها قريبته جدًا. وجابت له لعبة صغيرة كانت سايباها.
أحمد مسك اللعبة، وعرف فورًا… دي الحاجة أمينة. أمه كانت تراقب حفيدها، وتتابعه، رغم إنها بعيدة. ساعتها حس بغصة قوية في صدره.
في تلك الليلة… رجع البيت متأخر، دخل أوضة أمه الفاضية لأول مرة منذ رحيلها، فتح الدولاب ولقى صندوقًا خشبيًا صغيرًا، مكانش شافه قبل كده. فتحه ببطء، فوجد عشرات الدفاتر القديمة، مذكرات، كل صفحة كانت مكتوبة بخط الحاجة أمينة.
فتح أول دفتر وقرأ: “اليوم أحمد نجح في الإعدادية… بعت خاتم جوازي عشان أجيب له هدوم جديدة”.
فتح صفحة تانية: “أحمد تعب النهاردة… فضلت جنبه طول الليل وأنا عندي حرارة”.
صفحة ثالثة: “نفسي لما أكبر ألاقي ابني سندي”.
هنا… بدأت دموع أحمد تنزل على الورق، لأول مرة منذ سنوات طويلة، ولأول مرة… شعر أن الاختبار الحقيقي لم يكن لأمه، بل كان له هو.
أحمد فضل قاعد على الأرض في أوضة أمه لحد الفجر، الدفاتر مفتوحة حواليه، وكل صفحة كانت بتوجعه أكتر من اللي قبلها. صفحة بتحكي عن يوم اشتغلت فيه الحاجة أمينة 16 ساعة متواصلة عشان تجيب له شنطة المدرسة، وصفحة عن يوم باعت آخر حلق دهب كانت محتفظة بيه من جوازها عشان تدفع مقدم الشقة، وصفحة مكتوب فيها: “أحمد النهاردة قالي قدام الناس إنه فخور إني أمه… حسيت إن تعبي كله ما راحش هدر”. هنا أحمد انفجر في البكاء، لأنه ماكانش فاكر الموقف أصلًا… لكن هي كانت فاكراه بعد عشرات السنين.
في الصباح… نجلاء دخلت الأوضة، ولقت أحمد قاعد وسط الدفاتر: “إنت قاعد هنا من امبارح؟”. ما ردش.
— أحمد… أنا بكلمك.
رفع رأسه ببطء، وعينيه حمرا من العياط، أول مرة تشوفه بالشكل ده: “تعرفي يا نجلاء؟”.
— إيه؟
— أنا طلعت عاق.
اتصدمت: “بتقول إيه؟”.
— أمي كانت بتجوع عشان تأكلني، وتتعب عشان أتعلم، وأول ما كبرت سبتها تتذل في بيتي.
نجلاء حاولت تغير الموضوع: “طيب دلوقتي المهم نعرف هي فين”.
لكن أحمد ضرب بإيده على الترابيزة فجأة: “لأ!”.
اتخضت: “إيه اللي لأ؟”.
— المهم أمي… مش فلوسها.
ولأول مرة منذ جوازهم… سكتت نجلاء.
في نفس اليوم… عمر كان قاعد في أوضته، ولقى ورقة صغيرة تحت مخدته، فتحها وكان مكتوب فيها: “كل شجرة طيبة بتطرح خير حتى لو الناس رمت عليها حجر”. وعلى آخر الورقة قلب صغير مرسوم بالقلم. عمر عرف فورًا… دي تيتا. ابتسم لأول مرة من أيام، وخبا الورقة في شنطته.
بعد أسبوع… وصل خطاب جديد من المحامي، المرة دي طلب حضور الجميع إلى مكتبه يوم الخميس الساعة الخامسة، ومن غير أي تفاصيل. طوال الأسبوع نجلاء كانت متوترة، أما أحمد فكان قلقان من نوع تاني، كان نفسه يشوف أمه، بس… مش أكتر.
جاء يوم الخميس، دخلوا مكتب المحامي، نجلاء، وأحمد، وعمر، وأول ما فتح الباب الداخلي… وقفوا مكانهم في صدمة. الحاجة أمينة كانت قاعدة هناك، بصحة أحسن، ووشها مرتاح بشكل ما شافوهوش من سنين. عمر جري عليها فورًا: “تيتااااا!”. حضنها بكل قوته، وضمته هي كأنها بتعوض أيام الغياب كلها. أما أحمد… فضل واقف، مش قادر يقرب، ولا قادر يتكلم، لحد ما قال بصوت مكسور: “سامحيني يا أمي”.
وسكت المكان كله، حتى نجلاء. الحاجة أمينة بصت له طويل، وشافت في عينيه ندم حقيقي لأول مرة. لكنها ما ردتش فورًا، وسابت الصمت ياخد وقته، ثم قالت بهدوء: “لو كنت جيت تقولي الكلمة دي من سنين… كنت ارتحت كتير يا أحمد”. ونزل أحمد على ركبته قدامها زي طفل صغير، وبكى، بكى بحرقة عمره ما بكى بيها قبل كده.
المحامي فتح ملفًا كبيرًا وقال: “أظن وقت إعلان نتيجة الاختبار جه”. اتشدت أعصاب الجميع. وأكمل: “السيدة أمينة كانت تراقب تصرفات الجميع طوال الفترة الماضية، وكل شيء كان مسجلًا، تحركات، ومواقف، وشهادات من الجيران، وحتى العاملين في المكان اللي كانت مقيمة فيه”. شهقت نجلاء، أما الحاجة أمينة فظلت صامتة. ثم قال المحامي: “وفي ضوء ما حدث… تم اتخاذ القرار النهائي”. وسحب ورقة مختومة من الملف ثم بدأ يقرأ… لكن قبل أن يكمل السطر الأول… نظر للحاجة أمينة وقال: “هل أنتِ متأكدة من القرار الأخير؟”. ابتسمت الحاجة أمينة، ونظرت إلى عمر، ثم إلى أحمد، ثم إلى نجلاء وقالت: “متأكدة جدًا… لأن اللي اكتشفته خلال الشهر ده غيّر كل حاجة”. ثم مدّت يدها نحو الورقة الأخيرة… الورقة التي كانت ستحدد مصير الملايين والشقة وكل ما تملكه.
سادت حالة من الصمت داخل المكتب، حتى عمر الصغير بطل حركة، وبقى باصص لجدته. المحامي عدّل نظارته، وفتح الورقة الأخيرة، أما نجلاء فكانت قابضة على طرف الكرسي بقوة لدرجة إن صوابعها ابيضّت، وقال المحامي: “بناءً على رغبة السيدة أمينة، وبعد مراجعة الوصية النهائية…”. توقف لحظة ثم أكمل: “يتم تخصيص الجزء الأكبر من الأموال لإنشاء دار رعاية وتعليم للأيتام وكبار السن المحتاجين”. شهقت نجلاء: “إيه؟!”.
لكن المحامي أكمل وكأنه لم يسمعها: “ويتم تخصيص جزء آخر لصندوق تعليمي باسم الحفيد عمر، يُصرف على دراسته حتى انتهاء تعليمه بالكامل”. احتضنت الحاجة أمينة عمر، بينما بدأت ملامح الصدمة تظهر على وجه نجلاء أكثر فأكثر. لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن هنا. رفع المحامي ورقة أخرى وقال: “أما الشقة…”. تعلقت أنفاس الجميع: “فستظل ملكًا للسيدة أمينة طوال حياتها، وبعد ذلك تنتقل ملكيتها وفقًا لشروط خاصة مدونة في هذا الملحق”.
نجلاء كادت تقفز من مكانها: “شروط إيه تاني؟”.
نظر إليها المحامي مباشرة وقال: “لا يرث أي شخص يثبت إساءته أو إهماله المتعمد للسيدة أمينة”. ساد الصمت، وكان وقع الكلمات أثقل من أي حكم. نظرت الحاجة أمينة إلى نجلاء، لأول مرة دون غضب، ودون حزن، فقط نظرة هادئة وقالت: “يا نجلاء… أنا ما زعلتش عشان الأكل. ولا زعلت عشان الأوضة”. ثم تنهدت: “أنا زعلت عشان الكلمة الجارحة… زعلت عشان حفيدي كان يستخبى يجيبلي لقمة، وزعلت أكتر لما شفت ابني ساكت”. انخفض رأس أحمد مرة أخرى.
وبعد دقائق… وقف أحمد واتجه نحو أمه وقال: “أنا عارف إن الاعتذار مش هيصلح اللي فات، لكن اسمحيلي أحاول”. رفعت الحاجة أمينة عينيها إليه، ورأت لأول مرة ذلك الطفل الذي ربّته، وليس الرجل الذي خذلها، فسكتت طويلًا ثم قالت: “المحبة أفعال يا أحمد… مش كلام”. هز رأسه: “وأنا مستعد أبدأ من أول وجديد”.
مرت الشهور بعد ذلك، ولم تعد الحاجة أمينة إلى البيت فورًا، بل أصرت أن تعيش مستقلة فترة. وكان أحمد يزورها كل أسبوع، أحيانًا تجلس معه، وأحيانًا ترفض، وأحيانًا تتركه ينتظر ساعة كاملة قبل أن تستقبله. ليس انتقامًا، لكن ليعرف قيمة الوقت الذي كانت تنتظرها فيه قديمًا فلا يأتي. أما عمر… فكان أكثر شخص سعيد، لأن جدته عادت إلى حياته، وأصبح يقضي معها كل عطلة، يتعلم منها الزراعة، ويقرأ لها الكتب، ويحكي لها أسراره الصغيرة.
أما شجرة الجوافة… فبقيت في مكانها، لم تُقطع أبدًا. وفي أحد الأيام سأل عمر جدته: “تيتا… هو كان فعلًا فيه كنز تحت الشجرة؟”. ابتسمت الحاجة أمينة ونظرت إلى الشجرة العتيقة ثم إلى حفيدها وقالت: “أيوه يا حبيبي”.
— وطلعتيه؟
ابتسمت أكثر: “أيوه”.
— وكان دهب؟
ربتت على رأسه وقالت: “لأ… الكنز الحقيقي طلع إن لسه فيه قلب طيب في العيلة”. وأشارت إلى صدره: “وكان مدفون هنا”. فضحك عمر وضمها بقوة، بينما كانت شجرة الجوافة تتحرك مع الهواء فوقهما… شاهدة على سرٍ ظل مدفونًا سنوات طويلة… حتى كشف للكل حقيقة أغلى من الذهب نفسه.
مدّت الحاجة أمينة يدها نحو الورقة الأخيرة، ووقّعت عليها أمام الجميع، ثم قالت للمحامي: “دلوقتي افتح الظرف التاني”. استغرب أحمد: “ظرف تاني؟”. أخرج المحامي ظرفًا بنيًا قديمًا من الملف، كان مغلقًا بالشمع الأحمر، فتحه ببطء وأخرج منه مجموعة أوراق وصور قديمة، ثم قال: “الحاجة أمينة طلبت مني أحتفظ بالظرف ده من خمس سنين”. اتوترت نجلاء، وبدأ المحامي يقرأ: “إذا وصلنا للحظة دي، يبقى الاختبار انتهى”. ثم رفع صورة قديمة، كانت صورة لأحمد وهو طفل صغير، واقف جنب أمه أمام بيتهم القديم وقال المحامي: “الحاجة أمينة باعت البيت ده، ودهبها، وكل تحويشة عمرها، عشان تعلم ابنها وتشتري له الشقة اللي عايش فيها”. انفجر أحمد في البكاء، أما نجلاء فكانت مطأطأة رأسها.
ثم أكمل المحامي: “لكن أكبر مفاجأة لسه جاية”. وسحب ورقة رسمية مختومة: “قبل شهر، الحاجة أمينة قامت ببيع كل الذهب اللي كان في الصندوق”. شهقت نجلاء: “باعته؟!”. ابتسمت الحاجة أمينة: “أيوه”.
— ليه؟
قالت بهدوء: “لأن الفلوس كشفت حقيقة الناس خلاص… ومبقاش ليها لازمة”.
سأل أحمد بصوت مرتجف: “والفلوس راحت فين؟”.
رد المحامي: “تم إنشاء مؤسسة خيرية باسم بيت أمينة لإيواء كبار السن اللي أهلهم تخلوا عنهم”.
ساد الصمت ثم أكمل: “وتم شراء مبنى كامل وتجهيزه بالفعل”. ونزلت دموع الحاجة أمينة: “عشان محدش ينام جعان… ولا يتحط قدامه عيش بايت وهو شايف غيره بياكل أحسن أكل”. بكت السكرتيرة الموجودة في المكتب، وبكى أحمد، حتى المحامي نفسه تأثر.
بعد شهور… افتتح بيت أمينة، وأصبحت الحاجة أمينة تعيش هناك بين عشرات السيدات والرجال كبار السن، وكانت تعاملهم كأنهم عيلتها. أما أحمد… فكان يزور أمه كل يوم تقريبًا، يحمل لها الطعام بيده، ويجلس تحت قدميها ساعات، يحاول يعوض سنوات التقصير. وأما نجلاء… فكانت تزور الدار أيضًا، في البداية خجلًا، ثم ندمًا، ثم حبًا حقيقيًا مع مرور الوقت.
وفي يوم من الأيام… كانت الحاجة أمينة جالسة تحت شجرة جوافة جديدة زُرعت داخل الدار، وحولها كبار السن والأطفال. وفجأة سألها عمر: “تيتا… إيه أغلى حاجة كانت في الصندوق؟”. ابتسمت ونظرت إلى حفيدها، ثم إلى ابنها، ثم إلى الدار المليئة بالناس وقالت: “ولا جنيه… ولا قطعة دهب”.
— أمال إيه؟
قالت وهي تبتسم: “أغلى حاجة كانت الدرس اللي اتعلمه الكل قبل ما الصندوق يفتح”.
وبعد سنوات طويلة، رحلت الحاجة أمينة بهدوء. لكن بيت أمينة ظل قائمًا، يُطعم الجائع، ويؤوي المحتاج، ويذكر الناس دائمًا أن برّ الوالدين لا يُشترى بالمال… وأن لقمة دافئة تُقدَّم بمحبة، أغلى من كنوز مدفونة تحت ألف شجرة جوافة


