جوزي قالي أنه مسافر شغل حكايات صافي هاني

الجزء الأول

​كان جوزي كريم قايل لي إنه مسافر شغل كام يوم فقلت أعدي على نجلاء مرات صاحبه الله يرحمه وآخد لها تورتة وشوية فطير طازة يمكن أهون عليها بعد وفاة جوزها.

​خبطت على الباب بهدوء وأنا شايلة التورتة والأكياس في إيدي.

سمعت صوت كرسي بيتزق بسرعة من جوه وافتكرت إنها كانت نايمة أو قاعدة وبتقوم تفتح.

​المقبض اتحرك.. والباب اتفتح.

وفي اللحظة دي الدنيا وقفت!

​اللي كان واقف قدامي ماكانش نجلاء.. كان جوزي كريم!

الراجل اللي قال لي إنه مسافر شغل في محافظة تانية، كان واقف متجمد مكانه قدام باب شقتها لابس نفس القميص الأبيض اللي كويتهوله الصبح يا دوب أزراره مفتوحة وشعره مبهدل كأنه مستعجل.

​فضلنا نبص لبعض من غير كلام.. وشه اتغير واتحول من الثقة لرعب.

قال وهو بيتلعثم: “منى… إنتي بتعملي إيه هنا؟”

بصيت له بهدوء وقلت: “جيت أطمن على نجلاء بعد وفاة جوزها قولت أكيد محتاجة حد يقعد معاها.”

وسكت ثانية: “لكن دلوقتي الأهم عندي أعرف إنت بتعمل إيه هنا؟”

​بلع ريقه وقال بسرعة: “ولا أي حاجة مفرمة الحوض عندها بازت وكلمتني عشان أصلحهالها.”

​في أي يوم تاني يمكن كنت صدقته، لكن قبل ما أرد، سمعت صوت خطوات جاية من جوه، وبعدين نجلاء نادت: “يا كريم مين على الباب؟”

​خرجت من الطرقة بهدوء، كانت لابسة قميص نوم واسع ومحترم، بس اللي صدمني بجد ماكانش اللبس.. كان بطنها الواضحة إنها حامل!

​بصيت لها وأنا مش مصدقة وقلت بصوت واطي: “نجلاء… إنتي حامل؟”

اتوترت بسرعة واستخبت ورا كريم.

​وفجأة طلع صوت أعرفه كويس من المطبخ؛ حماتي أم كريم دخلت وهي شايلة طبق شوربة فراخ سخنة وقالت: “يا كريم ساعد نجلاء تقعد ماينفعش تفضل واقفة كتير عشان البيبي.”

​أول ما شافتني وقفت مكانها، علامات الصدمة ظهرت على وشها لحظة وبعدين اختفت، وحطت الطبق على الترابيزة وبصت لي بكل برود وقالت: “طالما عرفتي الحقيقة خلاص ملوش لازمة نمثل أكتر.”

وبصت في عيني وقالت من غير ذرة كسوف: “الطفل اللي في بطن نجلاء ابن كريم.. عيلتنا لازم يبقى ليها حفيد، ولو إنتي مش قادرة تخلفي له يبقى فيه غيرك هيخلف.”

​الكلام فضل بيرن في وداني.. كريم سكت، ونجلاء نزلت عينيها في الأرض، وحماتي اللي كانت بتقول لي زمان إني زي بنتها كانت واقفة بتدافع عن خيانتهم بكل قوة.

​وقفت مكاني من غير ما أتكلم، لا صرخت، ولا عيطت، ولا حتى وقعت التورتة من إيدي.. لأني في اللحظة دي فهمت إن اللي حصل ماكانش غلطة ولا لحظة ضعف، دي كانت خيانة متخططلها من زمان، كلهم كانوا عايشين حياة كاملة من ورا ضهري ومستنيين أول ما أعرف الحقيقة أمشي في هدوء.

​لكن هما ماكانوش يعرفوا إن قبل ما أمشي من البيت ده كنت هكشف سر أخطر بكتير مستخبي جواه، سر هيقلب حياتهم كلها وهيخليهم يدفعوا تمن خيانتهم غالي جداً.

​بصيت لحماتي بثبات وأنا شايلة التورتة، وضحكت ضحكة قصيرة من غير صوت، ضحكة كلها استخفاف وسخرية وجعت قلبي أنا قبل ما توجعهم. حسيت بكل قطرة دم في جسمي بتتجمد وبعدين تغلي، بس الإحساس بالانكسار اتحول فجأة لبرود غريب وثقة عمياء.

​كريم بلع ريقه وقال بصوت مهزوز ومذعور: “منى.. اسمعيني.. الموضوع مش زي ما إنتي فاهمة خالص.. أمي هتقولك.. نجلاء.. البت تعبانة وأنا كنت بساعدهم عشان خاطر المرحوم صاحبي.. صدقيني!”

​رفعت إيدي وقاطعت كلامه بكلمتين بس وبصوت هادئ وثابت: “اخرس.. ولا كلمة زيادة.”

​حماتي قربت مني بملامح كلها جفاف وقالت بحدة: “بتكلمي جوزك كده ليه يا منى؟ عيب عليكي! وبعدين إيه قلة الذوق دي جاية تخبطي من غير ميعاد وتعملي قلق؟ اعدلي أسلوبك واحنا قاعدين نتكلم زي الناس العاقلة جوه.”

​بصيت لحماتي نظرة نزلت زي الصاعقة على وشها، وقبل ما تنطق بكلمة تانية، اتسندت بضهري على الحيطة وابتسمت وأنا ببص لنجلاء اللي كانت مرعوبة ورا كريم: “عقلة؟ هو أنتوا تعرفوا العقل فين أصلاً؟ خيانة على عينك يا تاريخ، وجوزي اللي بياكل عيش معايا في بيت واحد، مخبي عليا إنه متجوز من ورايا، ولا والمصيبة.. مخلف منها كمان!”

​نجلاء طلعت صوت من ورا كريم وقالت بصوت مكسور: “يا منى والله العظيم ما كنت أصدق إن الموضوع يوصل لكده.. كريم غصب عنه.. المرحوم صاحبه الله يرحمه كان موصيه عليا، واحنا اتجوزنا في السر عشان ظروف العيلة والكلام ده.. و..”

​قاطعتها بصوت عالي شوية هز الشقة كلها: “آخرسِي إنتي كمان! اسمك ماجيش على لسَانك خالص.. فاهمة؟”

​بصيت لكريم اللي كان هيموت من الخوف، عينه تائهة ومش عارف يبص في عيني. مش عشان بيحبني أو خايف على زعلنا، ده خايف على مصلحته وعلى الفضيحة، وخايف أكتر من الست الوالدة اللي بتدير البيت والشركات والخراب كله بمزاجها.

​دخلت الصالة بخطوات ثابتة كأن الشقة شقتي، وحطيت التورتة وأكياس الفطير على الترابيزة بكل هدوء. كريم جرى ورايا وقال: “منى.. رايحة فين؟ تعالي نتكلم برة.. لو سمحتي اسمعيني.”

​قلت وأنا بلف وشي ليه وببص في عينه مباشرة: “أتكلم في إيه يا كريم؟ خلاص.. الكلام خلص، والحفلة خلصت. بس زي ما إنت وأمك ومراتك التانية رسمتوا الخطة دي كويس وضحكتوا عليا سنين، أنا كمان ليا حق أعرف.. وبما إنكم فاكرين إنكم ذكيين أوي، فحبكتكم ناقصة خطوة صغيرة خالص.”

​حماتي كست وشها العبوس وقالت بشك: “قصدك إيه بكلمتك دي؟ ناوية على إيه يا بت إنتي؟ طلقها يا كريم وخلصنا.. ما دام رفعت خشمها علينا ومش عاجبها الحال، الباب يفوت جمل!”

​ضحكت بصوت عالي وقلت: “تطلقني أنا؟ للدرجادي فاكرين إنكم ماسكين عليا لي الذراع؟ سوري يا طنط.. بس اللعبة اتغيرت.”

​فتحت شنطتي بهدوء وطلعت منها ورق رسمي كنت لسه مستلماه امبارح، ورق حكومي بختم النسر ومستندات رسمية واضحة وصريحة. مسكت الورق في إيدي وهزيتهم قدام وش كريم وحماتي اللي لونهم خطف وبقوا أصفر من الليمون.

​كريم فتح بوقه من غير ما يطلع صوت، وبلع ريقه بصعوبة وقال بصوت بيترعش: “إيه.. إيه ده يا منى؟ ورق إيه ده؟”

​قربت منهم خطوة وبصيت في عيون حماتي اللي بدأت تبان عليها علامات الرعب الحقيقي وقرأت بصوت هادئ ومسموع: “ده يا سيدي ورق الق*ضية اللي متقدمة ضد المرحوم صاحبك.. وضدك إنت شخصياً يا كريم، وضد الست نجلاء، وضد كل شركة المرحوم اللي ورثتوها وسرقتوها على مدار السنين اللي فاتت من ورانا كلنا!”

​البيت كله سكن تماماً. كأن قطرة مية لو نزلت على الأرض هينسمع صوتها. نجلاء صرخت بصوت عالي وغطت بوقها بإيديها، وكريم جري خطوتين وشد الورق من إيدي بانهيار وقال: “إنتي بتقولي إيه؟! إنتي جبتي الكلام ده منين؟! مين اللي حكاكي?!”

​سحب إيدي بثبات وقلت ببرود تام: “محدش حكالي.. أنا اللي دورت بنفسي، ولقيت إن جوز الهانم نجلاء الله يرحمه ما ماتش موتة عادية زي ما كنتوا مفهمين الناس كلها.. ولا الورث والشركة الكبيرة اللي سابها راحت للغلابة زي ما كان مكتوب في الوصية المضروبة اللي إنت عملتها يا كريم بخط إيدك.”

​حماتي لطمت على وشها وقالت بصريخ: “يا نهار أسود ومسخمط! إنتي اتجننتي يا بت! إنتي عارفة إنتي بتخرفي بتقولي إيه؟ دي قضايا توديكو في ستين داهية!”

​بصيت لحماتي وقربت منها لحد ما بقت عيني في عينها وقلت بصوت حاسم: “توديني في داهية أنا؟ ولا توديكم أنتوا كلكم عش الموت والسرقة ده ورا الشمس؟ المرحوم ما ماتش بسكتة قلبية زي ما التقرير الطبي المزيف اللي كريم مضاه قال.. المرحوم اتسمم.. والورق كله والمستندات الطبية القديمة والتحاليل اللي نجلاء نفسها كانت راكناها في درج دولابه القديم وقعت في إيدي صدفة وأنا بساعدها في نقل العفش من بيتها القديم من شهر!”

​نجلاء وقعت على الكرسي اللي وراها من كتر الخضة ووشها بقى أبيض زي الشبح وقالت بانهيار وعياط: “حرام عليكي.. والله ما أنا.. كريم هو اللي قال لي أعمل كده.. كريم هو اللي خطط لكل حاجة! أنا كنت مغمض عينيا وكان مهددني!”

​كريم اتجنن وجري عليها ضربها بعنف وقال: “اخرسي يا بت الكلب.. بتفضحينا قدام مراتك وقاعدتي?!”

​زعقت بصوت عالي ووقفت بينهم وانا ماسكة موبايلي في إيدي وقلت: “شيل إيدك عنها احسن والله العظيم أطلب البوليس دلوقتي حالا والكلبشات تكون في إيدكم أنتوا الاتنين في دقيقة واحدة! والموبايل ده عليه نسخة طبق الأصل من كل المستندات، والنيابة العامة على بعد عشر دقايق من هنا.”

​كريم اترعب ورمى نفسه على ركبه قدامي ومسك طرف عبايتي وقال بدموع كدابة وتذلل مقرف: “منى.. عشان خاطري.. عشان العيش والملح والسنين اللي بينا.. متعمليش فيا كده! أمي كبيرة في السن، ونجلاء حامل والواد ده ملوش ذنب.. سامحيني وأنا هكتب لك كل اللي تحبيه، الشقة دي، والعربية، والنص بالنص في الشركة.. بس والنبي ابعدي البوليس عننا!”

​بصيت له نظرة شفقة واحتقار مع بعض وقسوة أول مرة أحسها في حياتي. نزلت لمستواه ومسكت دقنه بقوة وقربت وشي منه وقلت بصوت هامس وجامد زي الجليد: “العيش والملح؟ هو إنت سيبت عيش وملح عشان نفتكره؟ إنت خنتني في عرضي وشرفي وبيتي، وشاركت في قت/ل صاحبك وسرقة ماله، وكنت مستني اللحظة اللي تخلص مني فيها عشان تورث وتتهنى مع هانم.. فاكر الفلوس والشركات هتشتري دم راجل غلبان مات مظلوم؟ فاكرني ممكن أسكت وأقبل أبقى الست المغفلة اللي قاعدة في البيت وهي معمية عن حقيقتكم؟”

​قمت وقفت وعدلت هدومي وثبت شعري بكل هدوء، وبصيت لحماتي اللي كانت قاعدة على الكنبة بتترعش ومش قادرة تنطق بحرف واحد من الصدمة والخوف، ونجلاء اللي بتعيط بانهيار على الأرض.

​قلت لهم وأنا ماشية ناحية الباب: “الورق مع الجهات المختصة خلاص، ومش أنا بس اللي هتدفعكم التمن.. المرحوم نفسه هو اللي هيرجع حقه بيدي أنا.. استنوا بقى البوليس.. جاي في السكة.”

​فتحت باب الشقة وطلعت وقفلته ورايا بكل هدوء، وسمعت صريخهم جوه بيملى العمارة.. وفي اللحظة دي حسيت إن قلبي اللي اتكسر من ثواني.. رجع قوي وصلب كأن الدنيا كلها مفيهاش حاجة تخوفه تاني.

1 2الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *