50 فدان حكايات انجى الخطيب

​على أول طريق العزبة، شافت كشافات عربيات الشرطة بتقرب، وصوت السارينة كان بيقطع سكون الصبح، بيعلن بداية نهاية الإمبراطورية اللي اتبنت على الكدب والخيانة. “المأمور” نزل من العربية، وبص لمريم اللي كانت واقفة بعبايتها المتربة، بس نظرتها كانت أقوى من أي وقت فات.

​— الآنسة مريم؟

سألها المأمور وهو بيبص للمخزن اللي صوت الخبط فيه بقى مكتوم.

​— أيوه يا فندم، أنا مريم. التليفون اللي بلغتم عليه هو اللي فيه كل التسجيلات اللي بتثبت محاولة الخطف والتزوير، ومفاتيح البيت والتوكيلات المضروبة كلها في الدرج اللي جوه المكتب، خدوا بالكم، أيمن عنده نسخة تانية في الخزنة.

​مريم قالت كلماتها وهي بتطلع دلاية ورقة الشجر من رقبتها، بتبص لها وكأنها بتودع جدها وبتقوله “أنا قدرت”. المأمور شاور للعساكر، ودخلوا البيت اللي كان يوم من الأيام “بيتها”. وشافت “ريهام” خارجة من عربية تانية، وشها أبيض كالموت، عينيها جت في عين مريم، فبصت في الأرض بسرعة، ريهام كانت هي الخيط اللي مريم استخدمته عشان تكشف اللعبة؛ عرفت إن طموح ريهام في “ابن أيمن” هو اللي هخليها تبيع أي حد، فكانت هي أول واحدة اتواصلت معاها وهي جوه بيت الحارس، وفهمتها إن أيمن هيسيبها تواجه المصير لوحدها لو مراته اتنزلت عن الأرض.

​ريهام بدموع تماسيح قربت منها:

— مريم.. أنا كنت مضطرة.. هو اللي ضغط عليا..

​مريم بصتلها بقرف، ومن غير ولا كلمة، لفت وشها للمأمور وقالت:

— يا فندم، الأرض دي كان جدي شقيان فيها عشان يورثني أنا، مش عشان تتسرق مني. أنا عايزة حقي بالقانون، وعايزة أخرج من البيت ده النهاردة، ومحدش فيهم يقرب مني تاني.

​شافت أيمن بيطلع متكلبش، وشه كان ملامحه ممسوحة، أول ما شافها، حاول يصرخ أو يشتم، بس عساكر الأمن المركزي كتفوه بسرعة ودخلوه عربية الترحيلات. طنط إحسان كانت ماشية وراهم بتندب وتصرخ، بس مريم كانت خلاص، صوتهم بقى زي دوشة عربيات معدية، مش مأثر في هدوئها.

​ركبت مريم عربية الشرطة عشان تروح القسم تكمل الإجراءات، ومن الشباك، فضلت باصة للأرض اللي بدأت الشمس تطلع عليها، بتلمع كأنها بترحّب بصاحبتها اللي رجعتلها. مريم غمضت عينيها، ولأول مرة من 7 أيام، حست إن جسمها خفيف، وإن السلاسل اللي كانت خانقاها اتفكت للابد. الطريق قدامها طويل، ومعاركها القانونية لسه هتبدأ، بس هي دلوقت بقت عارفة إنها مهما اتحبست في ضلمة، جوه قلبها فيه نور، وجوه إيدها مفتاح يفتح أي باب مقفول.

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *