50 فدان حكايات انجى الخطيب

…….
عدت الشهور كأنها سنين، مريم بقت شخصية تانية، ملامحها اللي كان بيغطيها الخوف اتغيرت وبقت بتبص للحياة بتحدي. القضية أخدت وقت طويل في المحاكم، أيمن وحماتها حاولوا بكل الطرق يلفقوا تهم تانية أو يضغطوا عليها بصلاتهم، بس مريم كانت واقفة زي الجبل، ورقة الشجر الفضة اللي ورثتها عن جدها بقت تميمة حظها، في كل جلسة كانت بتمسكها في إيدها بتفتكر ريحة الأرض والوعد اللي قطعته لنفسها.
في جلسة الحكم النهائية، القاعة كانت هادية بشكل يرعب. القاضي نطق بالحكم: “سجن مشدد لأيمن وإحسان بتهمة الخطف، الشروع في الق9تل، والتزوير في أوراق رسمية.”
صوت الصريخ والعياط في القاعة كان بيتردد، إحسان كانت بتبص لمريم بعيون كلها غل وكره، وأيمن كان وشه ميت، بيبص للفراغ، كأن حياته كلها اتبخرت في لحظة. مريم طلعت من قاعة المحكمة، الهوا بره كان مختلف، شمت فيه ريحة الحرية اللي بجد.
ما وقفتش عند ده وبس، مريم رجعت للأرض، العزبة اللي كانت مهددة بالإفلاس بقت مشروع حياتها. نزلت السوق بنفسها، اتعلمت زراعة أصناف جديدة، وخلت الأرض اللي أيمن كان عايز يبيعها عشان يسدد ديون شركته، بقت بتنتج دهب. شركة “مجموعة إحسان” اللي كانت بتنهار، مريم اشترت أصولها بعد ما أعلنت إفلاسها بشكل قانوني، وحولتها لمؤسسة خيرية تحمل اسم جدها “الحاج سيد”، بتدعم الفلاحين اللي كانوا بيشتغلوا عنده.
في يوم من الأيام، وهي ماشية في الغيط بتطمن على المحصول، شافت طفل صغير بيجري وسط الزرع، ضحكته كانت صافية زي ضحكة جدها. وقفت مريم، وطلعت الدلاية الفضة من رقبتها، بصت للزرع الأخضر اللي بيتحرك مع الهوا، وحست إن كل اللي حصل كان مجرد فصل في رواية طويلة، هي اللي كتبت نهايته بإيديها.
تليفونها رن، كان المحامي بيبلغها إنهم خلصوا إجراءات بيع بيت “العيلة” القديم اللي كانت ساكنة فيه مع أيمن، مريم خدت نفس عميق وقالت ببرود وهدوء: “بيعه، مش عايزة منه ولا مليم، اتبرع بتمنه للملجأ، أنا مش محتاجة من الماضي ده غير ذكرياتي اللي طهرتها بالعدل.”
قفلت التليفون، وبصت للسما، كانت الشمس بتغرب، واللون البرتقالي غطى الأرض، مريم سابت الدلاية في إيدها وغمضت عينيها، مفيش سجون تانية، مفيش خوف، مفيش مفاتيح مقفولة. مريم بقت هي صاحبة الأرض، وصاحبة حياتها، والدرس اللي اتعلمته كان بسيط بس تقيل: “الخوف هو القفل، والشجاعة هي المفتاح اللي بيفتح أبواب كان الكل فاكر إنها اتسدت للأبد.”



