50 فدان حكايات انجى الخطيب

يوم الاتنين، الصبح بدري، “طنط إحسان” وأيمن وقفوا قدام باب المخزن، إحسان كانت ماسكة ورقة وقلم، وأيمن كان وشه أصفر وقلقان.
إحسان بصوت واطي ومسموم: “أكيد دلوقتي بقت زي الخيال، ادخل يا أيمن، خلصنا عشان نلحق نلحق ريهام قبل ما تروح المستشفى.”
أيمن فتح القفل بإيد بتترعش، وبمجرد ما الباب اتفتح، دخلوا هما الاتنين بضوء الكشافات، مريم مكنتش موجودة، الأوضة كانت فاضية تماماً، مفيش غير شوية تراب على الأرض. إحسان بصت لأيمن برعب: “فينها؟ فين راحت؟”
أيمن جن جنونه، فضل يلف في المخزن كالمجنون، مفيش أي أثر للهروب، لحد ما وقعت عينه على جزء الحيطة اللي كان مقفول بدقة، صرخ: “دي مفتوحة!”
جريوا ناحية النفق، بس قبل ما يخطوا خطوة واحدة، سمعوا صوت “تكة” باب المخزن الكبير بيتقفل بقوة من بره، والضوء اختفى تماماً لما أيمن وإحسان اتجمدوا في مكانهم.
من ورا الباب، مريم صوتها طلع قوي، ثابت، وما فيهوش ذرة ضعف: “كنتوا فاكرين إن 50 فدان أرض وجدتها من دهب ممكن تخلص بكلمتين يا حماتي؟”
إحسان خبطت على الباب بجنون: “مريم! افتحي يا بت! إنتي عملتي إيه؟”
مريم ضحكت، ضحكة مكنش فيها أي فرحة، بس كان فيها انتصار السنين: “اللي عملته إني بلغت الشرطة من تليفون كان مرمي في بيت الحارس، ووريتهم التوكيلات اللي كنتوا ناويين تزوروها.. والبصمات اللي على عقودكم المضروبة هي اللي هتحبسكم، مش أنا.”
أيمن زعق بصوته كله: “مريم! ريهام حامل! ما تعمليش فينا كدة!”
ردت مريم وهي بتمشي بعيد عن المخزن، وشمس الصبح بدأت تظهر في العزبة، وبتقول لنفسها إن الأرض اللي جدها زرع فيها روحه، مش ممكن تضيع لأشكال زي دول: “ريهام حامل؟ يبقى مبروك، هتلاقيها أكيد مستنياكم في قسم الشرطة.. هي أول واحدة اعترفت بكل حاجة بمجرد ما شافت العساكر، وباعتكم بأرخص تمن عشان تنجي بنفسها.”
مريم مشيت، وسمعت صوت صراخهم بيتعالى ورا الباب، سابتهم في نفس المكان اللي حبسوها فيه، بس الفرق إن المرة دي، الضلمة اللي جوه هي ضلمة مستقبلهم، والشمس اللي بره هي بداية عمرها اللي استردته بكرامتها.
……..
مريم وقفت لحظة قدام باب البيت الكبير، أخدت نفس عميق، الهوا كان فيه ريحة الندى والأرض اللي بقت حرة أخيراً. لفت ضهرها للمخزن اللي صوته مابقاش فيه غير خبط أيمن اليائس على الحديد، وبدأت تمشي في اتجاه البوابة الرئيسية.

