50 فدان حكايات انجى الخطيب

……..

مرت سنة تانية، والسنة دي كانت “سنة الحصاد” بجد. مريم سلمت كل المستندات والاعترافات اللي وصلتها من ريهام للجهات الرقابية، وبدأت موجة تحقيقات هزت كيانات كبيرة كانت مستخبية ورا نفوذها. مريم بقت رمز، مش بس في بلدها، لكن في كل حتة وصلت لها حكايتها، بقت نموذج للست اللي قدرت تسترد حقوقها وتفك قيودها بذكائها وصبرها.

​في يوم ربيعي مشمس، مريم واقفة في وسط أرضها، الأرض اللي بقت أوسع بكتير بعد ما استردت أجزاء تانية كانت مبيوعة بالتحايل. ريحة الأرض مبلولة بـ “مية النيل” كانت بتطمنها، وبتحسسها إن جدها كان راضي عنها من مكانه.

​تليفونها رن، كان المحامي، صوته كان مختلف، نبرة فرحة غير معتادة:

— مريم هانم، مبروك. المحكمة أصدرت أحكام نهائية بتصفية كل أصول المجموعة القديمة لصالح الدولة والمؤسسات الخيرية، وأيمن وإحسان صدر عليهم حكم إضافي بمصادرة كل ممتلكاتهم الشخصية تعويضاً عن الأضرار اللي لحقت بيكي.

​مريم ابتسمت، ابتسامة هادية جداً، المرة دي مكنش فيها مرارة. ردت ببساطة:

— شكراً يا أستاذ، بس أنا مكنتش مستنية التعويض، أنا كنت مستنية العدل.

​قفلت التليفون، وبصت للسما. في اللحظة دي، حست بتقل اختفى من على كتافها، كأن السبع أيام اللي قضتهم في المخزن اتغسلوا بسبع سنين من العزة والنجاح. تمشت بين زرعها، وقابلت “ريهام” اللي كانت طالعة من السجن بعد ما خدت فترة عقوبتها وتعاونت في التحقيقات. ريهام كانت واقفة بعيد، باصة للأرض بنظرة انكسار، مريم قربت منها، ورغم كل اللي حصل، مريم مدت إيدها بالسلام.

​ريهام بكت بحرقة:

— ليه بتعملي كده؟ أنا كنت شريكة في اللي حصلك..

​مريم بصت لها وقالت بنبرة فيها نضج السنين:

— لأن اللي اتعلمته في الضلمة مش الحقد، اتعلمت إننا كبشر بنغلط وبندفع تمن غلطنا. أنا عدت صفحتي، وانتي كمان محتاجة تبدأي صفحة جديدة.. الأرض دي يا ريهام بتطرح خير، مش كره.

​مريم سابتها ومشيت، وطلعت الدلاية الفضة من رقبتها، بصت فيها لآخر مرة، حست إن مهمة “ورقة الشجر” خلصت، وإنها مابقتش محتاجة لتميمة حظ، لأن إيمانها بنفسها بقى هو اللي بيحميها.

​في المساء، مريم قعدت في بيتها الجديد، بيت بسيط هادي بيطل على العزبة، فتحت مذكراتها اللي بقت رواية عن القوة، وكتبت الجملة الأخيرة:

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *