50 فدان حكايات انجى الخطيب

……….
بينما مريم بتكتب آخر سطر في مذكراتها، وقعت عينيها على جواب قديم مبعوت من “ريهام” من قلب السجن. الجواب كان مكتوب بإيد مهزوزة، مريم فتحته ببطء؛ كان فيه اعتراف كامل بتفاصيل تانية مكنتش مريم تعرفها عن خطة إحسان وأيمن، اعترافات بتورط أشخاص نافذين كانوا بيحاولوا يغسلوا أموالهم عن طريق أراضي “الحاج سيد”.
مريم مسكت الجواب، حست بمسؤولية جديدة. الموضوع مابقاش مجرد “تار” شخصي بينها وبين أيمن، الموضوع بقى قضية رأي عام وهتفتح ملفات فساد كبيرة. مريم اتصلت بالمحامي بتاعها، وبصوت هادي ومسموع قالت: “جهز ملفاتك، الجواب ده مش هيخلي أيمن بس اللي يتحاكم، الجواب ده هيوقع ناس تقيلة كانت فاكرة إن الأرض دي حقل تجارب ليهم.”
المحامي سكت شوية، وبعدين قال بقلق: “يا مريم هانم، اللي بتفكري فيه ده طريق خطر جداً، الناس دي مش سهلة وممكن يعملوا أي حاجة عشان يوقفوا القضية دي قبل ما تخرج للنور.”
مريم قامت وقفت، بصت لشمس العصر وهي بتلمس حبات القمح الذهبية في أرضها، وقالت بصوت مليان إصرار: “أنا جربت الحبس، وجربت الجوع، وجربت أكون في مواجهة الموت والضلمة، ومن يومها مابقتش أخاف من حد. اللي دفع تمن حياته كرامته، مش هيخاف تاني.”
في اللحظة دي، دخل عليها كبير العمال، “عم صالح”، بابتسامة طيبة، وقالها: “يا مريم يا بنتي، الأرض دي شافت كتير، بس عمرها ما شافت حد زيك.. إنتي رجعتي للأرض روحها، والناس اللي وراكي دي كلها هتبقى درعك.”
مريم بصت لعم صالح، وللعمال اللي واقفين بعيد بيطمنوا عليها، حسّت إنها مش لوحدها. القصة اللي بدأت بمخزن ضلمة ومحاولة سلب حق، بقت ثورة ضد الظلم، وبقت حكاية “مريم” اللي وقفت ضد الكل وخرجت منتصرة.
مريم قفلت ملف مذكراتها، وحطت الدلاية الفضة حوالين رقبتها مرة تانية، وخدت قرارها: “مش هسكت، والعدل اللي بدأته لازم يكتمل، مش عشاني، لكن عشان كل ست اتظلمت وكانت فاكرة إنها ضعيفة.”
خرجت مريم من المكتب، والريح بتلعب في طرحتها، وبخطوات ثابتة ومؤمنة، مشيت ناحية الطريق اللي بياخدها للمواجهة اللي جاية، وهي عارفة إنها مهما واجهت، هي خلاص اتعلمت إزاي تكسر كل قفل، وأي باب مقفول قدامها، هي اللي معاها مفتاحه.


