50 فدان حكايات انجى الخطيب

………
مريم دارت العربية، وفجأة لمحت في مراية الصالون عربية سوداء ماشية وراها بمسافة ثابتة من ساعة ما خرجت من الجبّانة. قلبها دق دقة سريعة، بس مش خوف.. ده كان إحساس بالخطر اللي اتعودت عليه وفهمت لغته. زودت سرعتها شوية، العربية التانية زودت وراها. ابتسمت مريم بمرارة، وقالت لنفسها: “الماضي لسه بيحاول يلحقني، بس أنا مش مريم بتاعة زمان”.
دخلت مريم طريق فرعي ممهد بيؤدي لمخزن قديم تابع للمؤسسة، مكان هي مجهزاه لكاميرات المراقبة، ومكالماتها متسجلة لحظة بلحظة مع مدير أمن المؤسسة. دخلت المخزن، العربية السوداء وقفت قدام الباب ونزل منها راجل لابس لبس غامق، ملامحه حادة، مش أيمن طبعاً، ده كان “محامي” تاني من بتوع “إحسان”، لسه بيحاولوا يلعبوا في الوقت الضايع.
نزل الراجل من عربيته وهو بيحاول يمثل الهدوء، لكن مريم نزلت من عربيتها وهي ماسكة تليفونها وبتبص له بثقة: “لو جاي عشان العفو أو التنازل، وفر مجهودك. ولو جاي بتهديد، فخليني أقولك إنك قدام الكاميرات اللي بتبث مباشر لكل تحركاتك لأمن الدولة.”
الراجل اتجمد في مكانه، وبص للكاميرات اللي بتلمع فوق الباب. مريم كملت وهي بتقرب منه خطوة: “أنا مريم اللي جدها علمها إن اللي بيخاف، بيفضل محبوس. أنا اتحبست 7 أيام في ضلمة، اتعلمت فيها إن اللي بيحفر حفرة لغيره، هو أول واحد بيقع فيها. ارجع للي بعتك، وقولهم إن مريم دلوقتي مش بس معاها الأرض، مريم معاها القانون، ومعاها درع الحماية اللي هما نفسهم مكنوش يحلموا بيه.”
الراجل ركب عربيته بسرعة وهرب، ومريم وقفت في صمت، بتراقب غبار عربيته وهو بيختفي. حست وقتها إنها فعلاً بقت حرة، مش بس من زوجها أو حماتها، لكن من أي ظل ممكن يلاحقها.
رجعت العزبة، قعدت في مكتبها، وفتحت درجها وطلعت الدلاية الفضة، وبدأت تكتب مذكراتها. مريم قررت إن قصتها لازم تتكتب، عشان تكون درس لكل ست في مصر، إن كرامتها وأرضها وحقها هما خط الدفاع الأول. مع كل كلمة بتكتبها، كانت بتحس إن الجرح اللي في روحها بيلم، وإن الشخصية اللي كانت محبوسة في ضلمة المخزن، بقت هي الشمس اللي بتنور طريق غيرها.
قفلت التليفون، رمته على المكتب، وفتحت الشباك على آخره. الهوا كان معبي ريحة الأرض، ريحة الحياة اللي هي صنعتها بإيديها. مريم غمضت عينيها، مفيش سجون، مفيش تهديدات، مفيش غيرها هي.. مريم، اللي اتحولت من “ضحية” محبوسة، لـ “ملكة” على أرضها. خلصت القصة، وبدأت حياتها الحقيقية، حياة مفيش فيها أي “قفلة قفل” تانية، غير قفلة الباب على الماضي اللي انتهى خلاص.

