جوزي كان بيجبرني أغسل هدومه بإيديا وأنا حامل في الشهر التامن
أنا اسمي إيمان وعُمري 29 سنة. ولو حد كان قالي من كام سنة إن الراجل اللي حبيته أكتر من نفسي هييجي اليوم اللي يتمني موتي كنت هاضحك في وشه وأقوله مستحيل. لكن للأسف، الحقيقة ساعات بتكون أبشع من أي كابوس.
القصة بدأت في شتا من أبرد الليالي اللي عدت عليا في حياتي. كنت حامل في الشهر التامن، وبطني تقيلة جدًا، وظهري مولع نار من الوجع، والبرد برا كان قارس لدرجة إن الشجر نفسه كان عامل زي التلج.
يومها دخلت أوضة الغسيل علشان أشغل الغسالة. سلة هدوم كبيرة كانت مرمية قدامي، وكل اللي كنت محتاجاه إني أدوس زرار واحد. لكن أول ما قربت منها سمعت صوت جوزي رامي من ورايا قال بحدة:
— إوعي تشغلي الغسالة.
بصيتله باستغراب:
— نعم؟
أشار بإيده ناحيتها وقال:
— الكهرباء غالية.
افتكرت في الأول إنه بيهزر، ضحكت وقلت:
— يا رامي أنا حامل ومش قادرة أقف أصلاً.
بص لبطني وبعدين بصلي وقال الجملة اللي عمري ما نسيتها:
— إنتِ حامل مش معاقة.
الجملة نزلت على قلبي زي السكينة. لكن سكت، زي ما كنت بسكت كل مرة، عشان أي نقاش مع رامي كان بينتهي بخناقة، أو باب يتخبط، أو اتهامي إني ست جاحدة ومش مقدرة ظروفه.
بعدها نزل الجراج وجاب طشت بلاستيك قديم حطه قدامي وملاه مية ساقعة وقال:
— اغسلي بإيدك.
بصيت للمية، والله العظيم كانت متلجة. قلتله بصوت مكسور:
— مش هقدر.
رد بمنتهى البرود:
— ستات زمان كانوا بيعملوا كده.
وسابني ومشي يتفرج على التلفزيون.
وأنا قعدت على ركبتي وبدأت أغسل هدومه بإيديا. من اليوم ده بقى ده روتين أسبوعي؛ كل أسبوع طشت، ومية ساقعة، ووجع، وإهانة، لحد ما إيديا اتشققت وبقى الدم بينزل من صوابعي.
وأمي بدأت تلاحظ إن في حاجة غلط. أمي الحاجة ماجدة كانت ست مفيش حاجة بتفوتها، كل ما تكلمني فيديو تقول:
— مالك يا إيمان؟ وشك مخطوف.
فأرد:
— تعبانة شوية.
— ورامي؟
— مشغول.
الكلمة دي كنت بكررها كتير؛ رامي مشغول، رامي مضغوط، رامي قلقان من المصاريف. لكن الحقيقة؟ كان عنده وقت لكل حاجة إلا أنا. وقت للخروج، وقت للسهر، وقت للتليفون اللي عمره ما كان بيفارقه، وقت لرسائل بيبتسم وهو بيقراها، لكن مفيش وقت يساعد مراته الحامل.
وفي يوم وأنا قاعدة على الأرض بغسل هدومه الساعة 11 بالليل، دخلت أمي البيت من غير ما تقول. وقفت على باب أوضة الغسيل، وأول ما شافتني اتجمدت مكانها. أنا لحد النهارده مش قادرة أنسى النظرة اللي كانت في عينيها؛ صدمة، رعب، وغضب مرعب. قالت بصوت واطي:
— إنتِ بتعملي إيه؟
قلت بسرعة:
— ولا حاجة يا ماما.
قربت من الطشت، بصت للمية، بصت لإيديا، بصت لبطني، وبعدين بصت للغسالة وسألتني:
— الغسالة بايظة؟
هزيت راسي:
— لأ.
— أمال ليه؟
سكت.. سكت عشان كنت عارفة إن الحقيقة شكلها وحش.
ويومها أمي فهمت كل حاجة من غير ما أتكلم. لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها، إن اللي أمي هتكتشفه بعد كده هيخليني أتمنى لو كان موضوع الغسيل هو أسوأ حاجة عملها رامي. لأن بعد أيام قليلة، اكتشفت أمي السر اللي كان مخبيه؛ سر مرعب، سر خلا الشرطة تدخل حياتنا، وخلا جوزي يتحول من زوج قدام الناس إلى متهم بيخطط لموت مراته الحامل!!!
الجزء الثاني
من يوم ما أمي شافتني قاعدة على الأرض بغسل الهدوم بإيديا، وأنا حاسة إن حاجة اتغيرت جواها. ما بقتش تبص لرامي بنفس النظرة، ما بقتش تضحك على هزارُه، ولا تصدّق كلمة من كلامه. في الأول افتكرت إنها مجرد زعلانة عشاني، لكن الحقيقة إنها كانت بدأت تشك، وكان عندها حق.
بدأت تسأل أسئلة غريبة: فاتورة الكهرباء كانت كام الشهر اللي فات؟ رامي لسه بيرجع متأخر كل يوم؟ الحسابات البنكية مين اللي ماسكها؟ كنت بستغرب لكن كنت بجاوب، وكل إجابة كانت بتخلي الشك جواها يكبر أكتر. لحد ما في يوم، وأنا قاعدة معاها، قالتلي فجأة:
— إيمان إنتِ متأكدة إن في أزمة فلوس فعلًا؟
بصيتلها باستغراب:
— طبعًا ما رامي بيقول كده طول الوقت.
ضحكت ضحكة قصيرة من غير أي فرحة وقالت:
— الغريب إن الراجل اللي مش لاقي فلوس كهربا، بيدفع آلاف الجنيهات في مطاعم وفنادق.
حسيت إن قلبي وقف:
— يعني إيه؟
طلعت ورقة من شنطتها، كانت نسخة من كشف حساب، وأشارت على اسم متكرر لست: “فريدة”.
سألتها:
— مين دي؟
قالت:
— ده السؤال اللي لازم نسأله لرامي.
في اللحظة دي حسيت الأرض بتتحرك من تحتي. حاولت أقنع نفسي إنها زميلة شغل، عميلة، أي حاجة، لكن أمي ما اقتنعتش، ولأول مرة في حياتها قررت تمشي ورا إحساسها.
وبعد أسبوعين بس، كانت الحقيقة أقذر بكتير مما تخيلت. اكتشفت إن فريدة مش مجرد زميلة، كانت مراته التانية متجوزها عليا في السر من ورايا، وكانت علاقتهم مستمرة من شهور، يمكن سنين. صور في مطاعم، صور في فنادق، صور وهما ماسكين إيدين بعض، وصورة كانت كفاية تكسر قلبي مليون حتة؛ صورة وهو معاها بنفس الطريقة اللي كان معايا بيها زمان.
افتكرت إني خلاص شفت أسوأ حاجة، لكن لا، الكابوس الحقيقي لسه ما بدأش.
في ليلة من الليالي، أمي كانت بتفتش في ورق التأمين القديم اللي كنت ماضية عليه، وفجأة لقت حاجة خلتها تتجمد مكانها: وثيقة تأمين على حياتي بمبلغ ضخم جدًا، ومين المستفيد الوحيد؟ رامي.
طبعًا أنا كنت ماضية بس عمري ما قريت التفاصيل لأني وثقت فيه، وثقة الست الغلبانة ساعات بتبقى أخطر من أي سلاح. ولما أمي واجهت شركة التأمين، اكتشفت إن الوثيقة اتعملت بعد ما الحمل بقى عالي الخطورة، كأن حد كان بيستعد لحاجة.. حاجة مرعبة.
ساعتها أمي ما نامتش طول الليل وقالت لنفسها: “لازم أعرف الحقيقة كاملة”. لكن الحقيقة لما ظهرت كانت أبشع من أي توقع، لأن رامي ما كانش بس بيغدر بيا لا، ده رامي كان مستني موتي.
الجزء الثالث
لما أمي قالت الجملة دي: “رامي كان مستنيك تموتي”، ضحكت. أيوة ضحكت، مش عشان مصدقاها، لكن عشان عقلي رفض يستوعب، رفض يصدق إن الراجل اللي كنت نايمة جنبه كل ليلة ممكن يكون بيفكر فيا بالشكل ده. قلت بعصبية:
— ماما كفاية.
لكن أمي ما اتكلمتش، مدت إيديها بهدوء وفتحت موبايلها وشغلت صورة، بعدها صورة، بعدها صورة: رامي وفريدة داخلين فندق، رامي وفريدة خارجين من مطعم، رامي بيشتريلها شبكة غالية، رامي بيحضنها. كل صورة كانت بتكسر جزء مني، لكن اللي قت*لني بجد كان الرسائل؛ رسائل متصورة من موبايله، رسائل ما بينه وبين فريدة.
قرأت أول رسالة: “هي تعبت أكتر اليومين دول”.
وردت فريدة: “وده كويس ولا وحش؟”
رد: “كل ما صحتها تضعف، الناس هتصدق أكتر”.
حسيت نفسي مش قادرة أتنفس، كملت قراءة: “مستني اللحظة دي تخلص وبعدين هنبدأ حياتنا، والفلوس هتحل كل حاجة”.
فلوس.. كان بيتكلم عن فلوس، عن التأمين، عن حياتي، كأنني مجرد رقم، مش مراته، مش أم ابنه، مش إنسانة. في اللحظة دي حسيت إن في حاجة جوايا ماتت؛ مش الحب، الحب كان مات من زمان، اللي مات هو آخر ذرة ثقة، آخر ذرة شفقة، آخر ذرة خوف منه.
رفعت عيني لأمي ولأول مرة سألت السؤال اللي كنت خايفة منه:
— هنعمل إيه؟
قالت بهدوء:
— الشرطة عارفة كل حاجة.
بصيتلها بصدمة:
— إيه؟!
— بلغتهم من أسبوع.
اتسعت عيني:
— أسبوع؟!
أومأت:
— كنت مستنية أجمع الأدلة كلها.
عرفت وقتها إن أمي ما كانتش ساكتة، كانت بتحارب، كانت بتحارب علشاني وأنا مش واخدة بالي.
وفي الأيام اللي بعدها بدأت الشرطة تراقب رامي، وكان المطلوب مني أتصرف طبيعي؛ أرجع البيت وأمثل إني معرفش حاجة، وده كان أصعب دور لعبته في حياتي. كل مرة يبصلي فيها وأبتسم، كل مرة يقولي: “عاملة إيه النهارده؟” وأنا عارفة إنه مستني أشوف نهايتي. كل مرة يلمس بطني ويسأل عن البيبي وأنا عارفة إنه عمره ما كان بيحب غير نفسه. كنت بموت من جوايا لكن كنت مستحملة عشان ابني، وعشان النهاية.. النهاية اللي كانت قربت جدًا.
وفي ليلة شتوية، رجع رامي البيت بشكل غريب؛ هادئ زيادة عن اللزوم، مبتسم زيادة عن اللزوم، وحامل في إيده كوباية عصير وقالي:
— عملته مخصوص ليكي.
وقتها ولأول مرة في حياتي خفت منه بجد؛ خفت من الراجل اللي كنت متجوزاه، وخفت من الابتسامة اللي على وشه، وخفت من الكوباية اللي في إيده. لكن اللي رامي ما كانش يعرفه إن الشرطة كانت بتراقبه، وإن اللي هيحصل بعد دقائق هيقلب حياته كلها رأسًا على عقب.
الجزء الرابع
وقفت أبص لكوباية العصير اللي في إيد رامي. إيده كانت ثابتة، لكن قلبي أنا كان بيدق بعنف. حاولت أتصرف طبيعي، ابتسمت بالعافية وقلت:
— تسلم إيدك.
حط الكوباية قدامي على الترابيزة وقعد يبصلي، مستني، كأنه عايز يشوفني وأنا بشرب.
في اللحظة دي افتكرت الرسائل، افتكرت التأمين، افتكرت فريدة، وافتكرت كل مرة خلاني أحس إني عبء عليه. لكن افتكرت كمان كلام الضابط: “مهما حصل ما تشربيش أي حاجة يدهالك لوحده”.
فمسكت الكوباية وقربتها من بقي، ولسه هلمسها سمعنا خبط عنيف على الباب، خبط خلّى البيت كله يهتز. اتجمد رامي مكانه، الخبط اتكرر أقوى وأسرع، وبعدين سمعنا صوت رجالة بيزعقوا:
— افتح الباب! شرطة!
في ثانية واحدة اختفت الابتسامة من وشه، وشفت الرعب الحقيقي لأول مرة في عينيه. قام بسرعة ناحية الباب، لكن قبل ما يوصل كانوا دخلوا. أربع ظباط دخلوا البيت، والضابط الرئيسي طلع ورقة وقال:
— الأستاذ رامي منصور؟
رد بصوت متوتر:
— أيوه.
— معانا أمر بالقبض عليك.
ساعتها حسيت إن الزمن وقف. رامي بصلي، وبص لأمي اللي كانت واقفة في آخر الصالة، وفهم.. فهم إن كل حاجة انتهت. بدأ يزعق ويقول إن دي مؤامرة وإننا بنلفقله، لكن الأدلة كانت أكتر من أي كدبة. ولما الضابط طلب تفتيش البيت كانت الصدمة الأكبر، لأن التحاليل أثبتت بعد كده إن العصير اللي كان جايبهولي فعلاً كان متضاف له مادة خطيرة ممكن تسبب مضاعفات قاتلة لحالتي.
وساعتها آخر شك اختفى، وآخر وهم مات؛ الراجل ده كان فعلًا مستعد يقت*لني، وأنا كنت قاعدة قدامه كل يوم ومش عارفة. لما حطوا الكلبشات في إيده بصلي وقال:
— إيمان اسمعيني.
لكن لأول مرة من سنين ما سمعتوش، ولأول مرة ما خفتش منه، ولأول مرة حسيت إني حرة.
بعد يومين بس جاتني آلام الولادة، يمكن من التوتر، يمكن من الخوف، أو يمكن لأن جسمي أخيرًا حس إنه بقى في أمان. دخلت المستشفى وأمي كانت ماسكة إيدي طول الوقت، وبعد ساعات طويلة من التعب سمعت أول صرخة.. صرخة ابني، ابني اللي كنت بحاربه علشان يعيش.
حضنته وأنا بعيط، عيطت لدرجة إني مشفتش اللي حواليا. كل الوجع، كل الذل، كل الخوف خرج مع الدموع دي. بصيت لوشه الصغير وهمست:
— الحمد لله إننا نجينا يا حبيبي.
بعدها بشهور بدأت المحاكمة، والبلد كلها تقريبًا كانت بتتكلم عن الق*ضية: جوز كان عايز يموت مراته الحامل، واستغل تعبها، وعمل تأمين بمبلغ ضخم عليها، وكان مستني موتها.
كل جلسة كانت صعبة، لكن أصعب لحظة كانت لما وقفت قدام المحكمة أشهد. بصيت ناحية رامي، كان قاعد بعيد، باهت، مكسور، لكن مش مكسور عشاني، مكسور عشان اتكشف.
القاضي سألني:
— تحبي تقولي للمحكمة أي حاجة؟
أخدت نفس طويل وقلت:
— كنت فاكرة إن التضحية هي الحب، وكنت فاكرة إن استحمالي للإهانة معناه إني زوجة كويسة، لكن اتعلمت متأخر إن الحب عمره ما بيذل، وعمره ما بيكسر، وعمره ما بيتمنى موت اللي بيحبه.
القاعة كلها سكتت، وأما بصيت ناحية رامي لقيته منزل عينه في الأرض لأول مرة، مش قادر يبصلي. وبعد أسابيع من المرافعات صدر الحكم، وأُدين بكل التهم. ولما أخدوه من القاعة ناداني للمرة الأخيرة:
— إيمان!
لكن المرة دي برضه ما رديتش، لأن بعض الأبواب لما تتقفل لازم تفضل مقفولة للأبد.
بعد 3 سنين.. النهارده ابني نوح عنده 3 سنين، بيجري في البيت طول اليوم ويكسر نص الألعاب اللي أجيبها له ويضحكني من قلبي. وأمي لسه جنبي زي ما كانت دايمًا. اشترينا بيت صغير، مش فخم، مش كبير، لكن فيه حاجة ما كانتش موجودة في بيتي القديم: الأمان.
وفي يوم شتوي كنت قاعدة أنا ونوح وأمي بنشرب شوكولاتة سخنة، وفجأة سألني:
— ماما إيه الصوت ده؟
بصيت ناحية أوضة الغسيل، كانت الغسالة شغالة بتلف عادي جدًا. ابتسمت وحسيت دموعي قربت تنزل وقلت:
— ده صوت الحياة يا حبيبي.
ضحك وقال:
— غسالة يعني؟
فضحكت أنا وأمي وقلت:
— أيوه غسالة، بس بالنسبة لماما أكتر من كده بكتير.
لأن الصوت ده بيفكرني بحاجة واحدة بس: إني نجيت، وإن ربنا بعتلي أم عظيمة أنقذتني في الوقت اللي كنت خلاص بفقد فيه نفسي، وإن أصعب شتا عدى، وإن بعد كل ليل طويل لازم يطلع نهار.



