سر ألام حكايات صافي هاني

القصر كله سكت فجأة أول ما ظهر الطفل الصغير. عنده خمس سنين، لابس بدلة سودا صغننة وشيك، فلت من إيد المربية وجري على الأرض الرخام بأقصى سرعة تقدر عليها رجليه. عيونه كانت متعلقة بالست اللي واقفة بعيد بزي الشغل الرمادي البسيط وطرحتها المحتشمة اللي مدارية جزء من وشها. الولد بربش بعينه.. ملامحها رغم التعب ورغم اللبس غالية عليه ومش غريبة، دي الملامح اللي محفورة في ذاكرته ومبتفارقش خياله من سنين.

​وفجأة صرخ بعلو صوته والدموع جرت في عينه: “ماما!”

صوته رج في الصالة الكبيرة والواسعة وهز القلوب. كل الضيوف لفو وشهم مذهولين، وكاسات العصير اتثبتت في الهوا من الصدمة. الست اللي كانوا بيتجنبوها طول السهرة -الشغالة الهادية- وقعت الصينية الفضة من إيديها اللي بتترعش، والولد رمى نفسه بكل قوته، وكلبش في رقبتها وهو بيعيط بحرقة: “أنا عارف وشك.. انتي ماما.. انتي منمتيش في الجنة وصورتك اللي في أوضتي حقيقية!”

​الأم انهارت بالبكاء، وضمت ابنها لصدرها وهي بتشم ريحته اللي انحرمت منها سنتين، كأن روحها كانت رايحة وردت فيها. وش فريدة قلب أبيض من الصدمة والغل، وزعقت في الأمن بغضب: “انتوا واقفين تتفرجوا؟ ابعدوا الشغالة دي عن ابن مراد بيه فوراً!”

​بس مراد الشافعي رفع إيده وفجأة فرض الصمت في المكان.. ودي كانت أول مرة ميبصش فيها لخطيبته. كان عينه منزلتش من على الشغالة.. الصدمة شلت حركته.. كلمة الولد “صورتك اللي في أوضتي حقيقية” نزلت عليه زي الصاعقة. بص للطريقة اللي الولد دفن بيها وشه في كتفها، كأنه لقى المكان الوحيد اللي أمان في الدنيا كلها، وحس بقلبه بيتخلع من مكانه.

​الولد رفع عينيه المليانة دموع وبص لأبوه بقهر طفولي: “بابا.. قولهم كلهم إن دي ماما.. قول لطنط فريدة إنها مش شغالة.. أنا فاكرها ومستحيل أنساها!”

​رجلين ليلى خلاص مبقتش شايلاها من كتر البُكا، ونزلت على ركبها في الأرض وهي مخبية وشها بإيديها، مش قادرة ترفع عينها في عين جوزها بعد السنين دي كلها والخوف متملك منها. مراد خد خطوة بطيئة لقدام، صوته كان بيرعش ونفسه مخنوق كأنه في حلم، قرب منها ونزل لمستواها على الأرض، ورفع إيده ببطء شديد وشال طرف الطرحة اللي مداري وشها.. ملامحها كانت متغيرة وبلانة من الحزن والتعب، بس العيون هي هي.. عيون شريكة عمره وحبيبته. صوته طلع مكسور ومذهول وعقله هيطير من المفاجأة: “خديجة..؟ انتي عايشة؟! وسنتين بحالهم فاكرك تحت التراب؟!”

​انحبست الأنفاس في القاعة الكبرى، وكل عيون المعازيم اتثبتت عليهم في ذهول، والسكوت بقى سيد المكان لدرجة إن صوت أنفاس مراد العالية والمهزوزة كان مسموع للكل. خديجة رفعت عينيها ببطء، والدموع مغرقة وشها، وبصت في عيون مراد اللي وحشتها.. العيون اللي عاشت سنتين بتحلم بنظرتها. شفايفها كانت بترتعش والخوف متملك منها وهي شايفة نظرة الصدمة والإنكار في وشه.

​فريدة مقدرتش تستحمل المنظر، قربت بخطوات سريعة وكعب جزمتها بيرن في الأرض، وزعقت بنبرة حادة ووشها أحمر من الغل: “مراد! انت هتصدق الخرافات دي؟ الولد صغير وأكيد تاه ولا اتلغبط، والخدامة دي جاية تلعب لعبة عشان تاخد فلوس! ارموها برة القصر فوراً!”

​مراد مسمعش كلمة واحدة من اللي فريدة قالتها، كأنه اتفصل عن العالم كله.. نزل على ركبه قصاد خديجة على الأرض الرخام، إيده كانت بترتعش وهو بيمدها يلمس وشها عشان يتأكد إنها حقيقة مش سراب ولا روح بتطارده. الولد الصغير زين حس بالخوف من صوت فريدة، فكلبش أكتر في رقبة أمه وبص لأبوه وصرخ: “بابا دي ماما والله.. دي اللي كانت بتسرحلي شعري وبتقولي يا قلب ماما قبل ما تنام.. أنا مش كداب!”

​خديجة ضمت ابنها لصدرها أكتر وبصت لمراد، وقالت بصوت مبحوح ومكسور ومخلوط بالبُكا: “وحشتني يا مراد.. وحشتني أوي.. أنا ممتش.. هما اللي فهموك إني مت عشان يبعدوني عنك وعن ابني..”

​كلماتها نزلت على مراد زي الصاعقة، ملامح الصدمة الممزوجة بوجع سنين وفرحة مش قادر يستوعبها ظهرت على وشه، ودمعة نزلت من عينه رغماً عنه وهو بيقرب منها أكتر وعقله رافض يصدق إن حبيبته اللي دفنها بإيده وروحه راحت معاها.. واقفة قدامه وبتتنفس.

​فريدة وشها جاب ألوان، وجسمها كله بدأ يترعش من الغضب والتوتر، قربت أكتر وحاولت تشد الولد من خديجة وهي بتزعق: “مراد! فوق لنفسك! الست دي نصابة، انت ناسي إننا بنكتب كتابنا النهارده؟ ناسي إن خديجة ماتت في الحادثة ودفنتها بإيدك؟”

​مراد فجأة وقف طوله زي الأسد الجريح، وبصوت هز حيطان القصر وزلزل القلوب، صرخ في فريدة: “اسكتيييي خالص! مش عايز أسمع صوتك!”

​فريدة رجعت خطوتين لورا من الخضة، والمعازيم كلهم بدأوا يتبادلوا نظرات الشك والهمس، والصدمة بقت هي اللي مسيطرة على القاعة. مراد رجع بص لخديجة اللي كانت لسه ساجدة على الركب وبتعيط وضامة ابنها، نزل لمستواها تاني، وبصوت اتقلب تماماً وبقى مليان حنين ووجع وكسرة، قالها: “سنتين يا خديجة؟ سنتين وأنا بموت في اليوم ألف مرة؟ سنتين وأنا شايف الدنيا سواد ومستني اليوم اللي أروحلك فيه؟ مين اللي عمل فينا كده؟ ومين اللي قالي إن الجثة اللي اندفنت دي كانت جثتك؟”

​خديجة رفعت راسها، وبصت لمراد بعيون مليانة قهر، وبنبرة كلها وجع قالت: “أبوك يا مراد.. حمايا العزيز.. هو اللي عمل الحادثة، وهو اللي هددني بابني لو ممرتش من حياتكم خالص، وهو اللي زور شهادة الوفاة عشان يجوزك فريدة بنت شريكه!”

​الكلمات نزلت في الصالة زي القنبلة.. عيون مراد لفت في المكان كله بسرعة البرق، وبدأ يدور على أبوه عاصم الشافعي اللي كان واقف في آخر القاعة، وشه هرب منه الدم وبقى زي الأموات، وبيحاول يتسحب ويخرج من القصر قبل ما يتكشف.

​مراد ساب كل حاجة، ووقف وهو وعيونه بتطق شرار، والكل كان بيفسحله الطريق وهو ماشي بخطوات سريعة ومرعبة ناحية أبوه، وعروق رقبتها وإيده بارزة من كتر الغضب.. المواجهة الكبيرة اللي هتقلبت كل الموازين بدأت فعلاً!

​”أبويا؟!” الكلمة طلعت من بق مراد زي طلقة الرصاص، صوته كان حاد ومخنوق، والكل واقف متسمر في مكانه والعيون كلها اتجهت ناحية عاصم الشافعي اللي كان خلاص قرب يوصل لباب القاعة الكبيرة. مراد مشي بخطوات سريعة وزي الإعصار، وقف قدام أبوه بالظبط وقطع عليه طريق الهروب. عاصم حاول يتماسك ويرسم الهدوء والوقار اللي متعود عليهم قدام الناس، وبلع ريقه وقال بصوت بيترعش: “مراد.. انت هتصدق الكلام الفارغ ده؟ الست دي جاية تخرب فرحتك وتتبلى عليا.. أنا أبوك! ناسي أنا عملت عشانك إيه؟”

​مراد ضحك ضحكة مكتومة مليانة وجع وقهر، وعيونه كانت حمرة وعروق جبهته بارزة وهو بيبص في عين أبوه: “تعمل فيا أنا كدة يا عاصم بيه؟ تسرق عمري؟ تخليني أعيش سنتين في عزا مستمر وبموت بالبطيء وأنا فاكر إني دفنت حتة من قلبي؟ عشان إيه؟ عشان الصفقة والمظاهر؟ عشان تجوزني فريدة؟”

​فريدة جريت ورا مراد وبقلق وخوف حاولت تمسك إيده: “مراد عشان خاطري.. الناس بتتفرج علينا، تعالى نكتب الكتاب وبعدين نشوف الحكاية دي..”

مراد نفض إيد فريدة بعنف وعزم ما فيه لدرجة إنها رجعت لورا، وزعق بعلو صوته وهو باصص لأبوه ولفريدة وللمعازيم كلهم: “مفيش كتاب كتاب! الفرح ده لغي! القصر ده ملموحش فيه وش حد منكم تاني!”

​وبعدين التفت لأبوه وكمل بنبرة واطية ومرعبة: “والله العظيم يا عاصم بيه.. لو طلع الكلام ده صح -وأنا عارف وموجوع عشان عارف إنه صح لأن خديجة عمرها ما تكدب- لأكون أنا اللي هسجنك بإيدي.. مش هيرمش لي جفن وأنا بشوفك ورا القضبان بتدفع ثمن كل ليلة عيطت فيها أنا وابني!”

​عاصم وشه بقا أصفر ومقدرش ينطق ولا كلمة، ونظرات الخزي حاصرته من كل المعازيم اللي بدأوا ينسحبوا وهم بيهمسوا لبعض من الصدمة. مراد سابهم ولف وشه، وجري على خديجة اللي كانت لسه قاعدة في الأرض بتعيط وضامة ابنها زين لصدرها. مراد نزل على ركبه قدامها، ودموعه اللي حبسها سنين نزلت من عينه، مد إيديه الاتنين طويل كأنه بيحاول يعوض سنتين من الفراق، وبيطمن قلبه إنها خلاص رجعت، ومش هيسمح لأي قوة في الدنيا تبعدها عنه تاني.

​القاعة بدأت تفضى تماماً، والمعازيم خرجوا والهمس مالي المكان، لحد ما القصر الكبير رجع لسكوت تام.. مفيش فيه غير صوت بكا خديجة المكتوم، ونفس مراد اللي كان لسه عالي وبيرتعش وهو دافن وشه في كتفها وساند راسه على راس ابنه. زين الصغير حس بأمان غريب، وبأيديه الصغننة طبطب على ضهر أبوه وقال ببراءة: “بابا.. متعيطش.. أهو أنا جبتلك ماما معايا عشان متزعلش تاني.”

​مراد اتنهد تنهيدة طويلة طلعت من قاع قلبه، بعد وشها عنه شوية وبص في عيونها اللي غرقت بالدموع.. كان لسه مش مصدق، حاسس إنه في حلم وخايف يصحى منه. مسح دموعها بصباعه براحة كبيرة، وسألها بصوت واطي ومبحوح: “كنتي فين يا خديجة؟ السنتين دول عدوا عليكي إزاي؟ وإزاي أبويا قدر يداريكي عني كل ده وأنا قالب الدنيا عليكي؟”

​خديجة مسكت إيده اللي على وشها وكبست عليها، وقالت بنبرة كلها قهر: “بعد الحادثة، فقت في مستشفى بعيد أوي.. لقيت حمايا واقف فوق راسي، وراني صور لزين وهو مع ناس غريبة، وقالي لو ممرتش من حياتكم ومسحت اسمي، هيبعته لمكان عمرك ما هتوصليه.. قالي إنه هيحرمك من ابنك بسببي.. خفت عليك وخفت على ابني يا مراد، ومكنش قدامي غير إني أوافق وأستخبى، لحد ما عرفت بالصدفة إنه هيجوزك فريدة النهارده.. ميرضيش ربنا ابني تتربيه ست تانية وأنا عايشة وبموت في اليوم ألف مرة.”

​مراد غمض عينيه بوجع، وأخد نفس عميق وهو بيحاول يستوعب حجم السواد اللي كان عايش فيه، وضمها لصدره تاني وهو بيحلف في سره إن حقها وحق ابنه هيرجع تالت ومتلت.

​وقف مراد على رجليه وشال زين على كتفه، ومد إيده التانية لخديجة بكل احترام وحب وقالها: “قومي يا خديجة.. قومي يا ست القصر ده كله.. من النهارده مفيش حد هيقدر يخليكي توطي راسك ولا تخبي وشك تاني. حقك هجيبهولك بالقانون ومن أقرب الناس ليا، واليوم اللي افتكرته هينور بفريدة، انقذني ربنا فيه ورجعلي روحي الحقيقية.”

​خديجة مسكت إيده وقامت، وبصت في عيونه وجمعت كل قوتها.. الحكاية مخلصتش هنا، دي لسه بتبدأ، واليوم ده هيكون أول خطوة في طريق تصفية الحسابات!

​خرجت خديجة مع مراد من القاعة الكبيرة، وهي سانده على إيده اللي كانت متبتة فيها كأنها طوق النجاة ليها بعد سنين الغرق. طلعوا لجناحهم القديم في الدور الفوقاني.. الأوضة اللي مراد قفلها من يوم اختفائها ومكنش بيسمح لمخلوق يدخلها، وكان عايش في أوضة تانية عشان مقدرش يستحمل ذكرياتها.

​أول ما الباب اتفتح، ريحة خديجة كانت لسه في المكان، صورها متعلقة على الحيطة، وكل حاجه زي ما سابتها بالظبط. مراد قعد على الكنبة الكبيرة، ونزل زين من على كتفه، الولد كان بدأ يكبس عليه النوم من كتر التعب والخضة. خديجة قعدت جنبه، وأخدت زين ونيمته براحة وهي بتمسح على شعره وبتغني بصوت واطي ونبرة دافية نفس اللحن السحري اللي حفظه وفضل عايش بيه. مراد كان قاعد باصص ليهم، وعيونه مش بتفارق حركة إيديها.. كان حاسس إن روحه اللي اتخطفت منه من سنتين بدأت ترجع لجسمه بالتدريج.

​التفتت ليه خديجة بعد ما الولد نام تماماً، وقالت بصوت هادي بس مكسور: “مراد.. أنا مش عايزة مشاكل مع عاصم بيه.. أنا كل اللي كان هيموتني إني أشوف ابنك مع واحدة تانية تظلمه، أنا عايزة ابني وبس، ونمشي من هنا.”

​مراد مسك إيديها الاتنين وباسهم بقوة، وبص في عيونها بنظرة حاسمة وعيونه فيها لمعة انتقام: “تمشي فين يا خديجة؟ انتي صاحبة البيت ده، وعاصم الشافعي مش هيقعد فيه ليلة واحدة كمان.. القصر ده باسمي أنا، وهو من بكرة الصبح هيكون قدام النيابة.. التزوير والتهديد وخطف العيال مفيهاش أبويا وأمي.. اللي يكسر قلبي على مراتي وابني سنتين، ملوش مكان في حياتي.”

​وفي اللحظة دي، تليفون مراد رن.. بص في الشاشة لقى رقم المحامي بتاعه رأفت المحمدي.. رد بسرعة وجاله صوت المحامي بلهفة: “مراد بيه! أنا سمعت باللي حصل في القاعة.. انت بتتكلم جد؟ مدام خديجة عايشة؟”

​مراد وقف وخرج للبلكونة عشان ميزعجش الولد، وقال بنبرة جادة وصارمة: “عايشة يا رأفت.. وعايزك بكرة الصبح تجيلي على المكتب، جهزلي بلاغ رسمي بتزوير شهادة وفاة، وبلاغ تاني بالتهديد وابتزاز.. عاصم الشافعي لازم يتحاسب، والورق اللي معاك في الخزنة بتاعة الشغل كله يتدقق.. مش هسيب ثغرة واحدة يهرب منها.”

​قفل مراد الخط، ولف عشان يرجع الأوضة، بس لقى خديجة واقفة وراه في ضل البلكونة، بصتله وعيونها مليانة خوف وقالت: “مراد.. أبوك قوي ومش هيستسلم بسهولة.. أنا خايفة يعمل فينا حاجة تانية.”

​مراد قرب منها وحضن وشها بكفوفه، وقال بنبرة مليانة رجولة وأمان: “زمان كنت مغمى عيني ومصدق كل كلمة بيقولها، وبقول ده أبويا ومستحيل يضرني.. لكن النهارده أنا بقيت أب، ومستعد أهد الدنيا فوق راس أي حد يفكر بس يقرب منكم.. نامي وارتاحي يا خديجة، الأيام السودا راحت، واللي جاي كله حقي وحقك.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *