عطر سيينا
رجع جاك كارتر للبيت وريحته فواحة ببرفان أنثوي غريب، ريحة فضحت كل خياناته اللي كان فاكر إنه بيخفيها ببراعة. دخل أوضة النوم وهو بيتوقع يلاقي مراته إيميلي مستنياه عشان يكمل فيلم التمثيل اللي بيعيشه، لكنه لقى حاجة تانية تماماً. دبلة جوازه كانت محطوطة في نص المخدة، مش مرمية ولا نسيها، لا، كانت محطوطة بعناية شديدة، وكأنها رسالة بتقول إن كل شيء انتهى.
السرير كان متوضب بطريقة مرعبة، مفرود ومشدود لدرجة توحي إن ما حدش لمسه، والمخدات متساوية بهدوء غريب. جنب الدبلة كان فيه ظرف أبيض مكتوب عليه اسمه بخط إيميلي المنسق. كلمة “جاك” المكتوبة على الظرف كانت كفيلة تخلي قلبه يقف، وقعها كان أقوى من أي صرخة ممكن يسمعها. وقف عند باب الأوضة لابس قميص الشغل المكرمش بتاع إمبارح، وطعم الشامبانيا الرخيص لسه مر في بقه، وريحة برفان “سيينا” لسه لازقة في ياقة قميصه كأنها وصمة عار. للحظة غبية، قعد يطمن نفسه إن إيميلي أكيد في الحمام، أو المطبخ، أو يمكن تحت، زعلانة بس لسه موجودة ومستنياه يبرر لها، لكن لما مسك الدبلة ولقاها باردة، أدرك إن الدفء اللي كان بيلاقيه في حياته مع إيميلي انتهى للأبد.
بدأ يفتكر اللحظة اللي لبسها الدبلة دي من ست سنين في مزرعة عنب بره سانتا باربرا، وقتها إيميلي كانت بتعيط وتضحك وبتبص له بعيون مليانة ثقة، وكأن الخيانة دي حاجة بتحصل للناس التانية بس، مش ليهم. إيديه كانت بتترعش وهو بيفتح الظرف، والكلمات اللي كتبتها إيميلي كانت واضحة وقاسية. قالتله إن دي آخر مرة هتستناه، وإنها عارفة كل حاجة، من الفنادق للبرفان، وحتى تفاصيل علاقتها بسيينا اللي بقالها تلات شهور مخبياها. الليلة اللي فاتت كانت ذكرى جوازهم، إيميلي طبخت له أكلته المفضلة ولبست الفستان الأزرق اللي كان دايماً يقولها إنه بيخلي الكلام يضيع من لسانه، واستنته لحد نص الليل، لكنه ما جاش. النهاية كانت واضحة: إيميلي وهاربر مشيوا، وممنوع يتصل أو يدور عليهم، والمحامي بتاعها هو اللي هيتواصل معاه.
جاك قرأ الجواب تلات مرات، في كل مرة أبطأ من اللي قبلها، وكأن الكلمات ممكن تتغير لو عاقبها بتركيزه، لكنها فضلت زي ما هي. “إيميلي؟” نادى بصوت مكسور، لكن القصر رد عليه بصمت مخيف. بدأ يجري في البيت زي المجنون، دخل الطرقة، أوضة الضيوف، المطبخ، المكتب. كل حاجة تخص إيميلي اختفت؛ مج القهوة، فيتامينات الحمل، وحتى صورة السونار اللي كان بيعدي عليها من غير ما يبص، اختفت من على الرف. في اللحظة دي، بدأت الحقيقة تضربه في وشه، هاربر مش بس بنت، دي كانت قطعة منه، واختفائهم كان بمثابة اقتلاع لروحه من مكانه.
بدأت ذكريات الشهور اللي فاتت تترتب في دماغه، إيميلي كانت دايماً هادية، دايماً مبتسمة، وعمره ما شك لحظة إنها بتلعب لعبته بذكاء أكبر. كانت بتجمع الأدلة، بتصور، وبتسجل كل خطوة بياخدها في طريق خيانته، مستنية اللحظة المناسبة عشان تضربه في مقتل. جاك كان فاكر إنه صياد، بس اتضح إنه كان هو الطريدة طول الوقت.
الأيام اللي تلت رحيلها كانت كابوس. المحامي بتاعها، رجل قانون مشهور بلقب “البلدوزر”، اتصل بيه وطلب منه توقيع أوراق الطلاق وتنازل كامل عن كل شيء. جاك حاول يرفض، حاول يهدد، لكن المحامي كان جاهز بكل الأدلة اللي إيميلي جمعتها. الصور، الفواتير، التحويلات المالية، كلها كانت كفيلة تحطم مستقبله المهني تماماً. كل ما كان بيحاول يتحرك، كان بيلاقي نفسه في طريق مسدود، إيميلي ما سابتش له أي ثغرة.
بمرور الوقت، بدأت الوحدة تنهش في أركان القصر الكبير. جاك، اللي كان بيحلم بالحرية بعيد عن المسؤوليات والقيود، لقى نفسه سجين فخ صنعه بإيديه. السيجارة اللي بيولعها، الكأس اللي بيشربه، كل حاجة في البيت كانت بتفكره بضحكة إيميلي وصوتها وهي بتناديه. اكتشف إن “سيينا” ما كانتش بتحبه، كانت بس بتستغل مكانته وفلوسه، وأول ما سمعت عن احتمالية إفلاسه وفضيحته، اختفت هي كمان من حياته.
في يوم من الأيام، وهو قاعد في المكتب اللي كان بيشهد على نجاحاته وانهياراته، لقى ورقة صغيرة كانت واقعة ورا المكتب، يمكن إيميلي سابتها ليه عمداً. كانت ورقة مكتوب فيها “شكراً إنك علمتني إزاي أكون قوية”. في اللحظة دي، جاك وقع على الأرض، مش بس من الحزن، لكن من الإدراك. إيميلي ما كانتش بتنتقم منه وبس، كانت بتتحرر. هي أخدت بنتها، أخدت كرامتها، وسابت له القصر اللي كان بيحلم بيه، لكنه لقى نفسه في الآخر وحيد، فقير من المشاعر، ومحاط بذكرى لامرأة كانت الحب الحقيقي اللي أضاعه بجشعه.
مرت السنين، وجاك كارتر، الرجل اللي كان الكل بيحسده على حياته، بقى مجرد رقم في سجلات المطلقين الفاشلين. الأخبار وصلت له إن إيميلي قدرت تبني حياة جديدة ناجحة، بأسماء تانية في ولاية تانية، وهاربر كبرت وبقت طفلة ذكية، كل ده كان بيحصل بعيد عنه. القصة ما كانتش عن الطلاق، كانت عن اختيار؛ اختيار إيميلي للحياة اللي بتستحقها، واختيار جاك للوهم اللي دمره. وفي كل ليلة، كان جاك بيبص على الدبلة اللي لسه محتفظ بيها، مش حباً فيها، لكن كذكرى للرجل اللي كان ممكن يكونه، والرجل اللي خسره للأبد بسبب كذبة صغيرة كبرت وبقت هي الحقيقة الوحيدة في حياته.


