50 فدان حكايات انجى الخطيب

……..
بعد مرور سنتين، مريم بقت معروفة في المحافظة بـ “ست الكل”، الاسم اللي خلى الفلاحين والعاملين في الأرض يحترموها مش بس لأنها صاحبة العزبة، لكن لأنها بقت سند ليهم. الشركة اللي كانت “مجموعة إحسان” وبقت “مؤسسة الحاج سيد”، بقت بتصدر محاصيلها لأوروبا، ومريم ما بقتش بس مزارعة، بقت سيدة أعمال بتدير إمبراطورية زراعية بأيد من حديد وقلب رحيم.
في يوم، وهي في مكتبها اللي بيطل على العزبة، دخل عليها المحامي بملف جديد. بصلها بتردد وقال: “مريم هانم، أيمن بيبعت جوابات من جوه السجن.. طالب يقابل حضرتك.”
مريم سابت القلم من إيدها، وبصت للشباك بهدوء. أيمن اللي كان ببدلته وشياكته، بقى دلوقت رقم في سجلات السجون، بيعيش على أمل إنها ممكن “تسامح”. ضحكت مريم ضحكة خفيفة، مش سخرية، لكن استيعاب لمدى عبثية اللي فات.
ردت بهدوء: “ارجع قوله إن مريم اللي كان بيعرفها ماتت يوم ما اتقفل عليها باب المخزن. والـ 50 فدان اللي كان عايزهم عشان يستر شركته، دلوقت هما اللي بيصرفوا على آلاف الأسر. هو كان فاكر إنه بيسرق أرض، بس هو في الحقيقة كان بيسرق لنفسه مصيره، وأنا استرديت حياتي.”
المحامي مشي، ومريم قامت وقفت قدام مرايتها. شافت ست ملامحها قوية، فيها ندبات التجربة بس مفيش فيها انكسار. حطت إيدها على رقبتها، الدلاية الفضة لسه موجودة، بس بقت جزء منها، مش مجرد حتة معدن.
خرجت للبلكونة، شافت العمال بيحصدوا المحصول الجديد، أصواتهم كانت مليانة حيوية. مريم شافت في وسطهم راجل عجوز، كان بيشتغل مع جدها زمان، رفع إيده وبصلها بابتسامة فخر، إشارة منه إنها فعلاً بقت “حفيدة الحاج سيد” اللي الكل بيتشرف بيها.
مريم أخدت نفس عميق، الجو كان جميل، الشمس كانت بتغيب كالعادة، بس المرة دي كانت بداية مش نهاية. مشيت ناحية العربية، قررت تروح تزور تربة جدها. وصلت هناك، قعدت قدام القبر، وطلعت الدلاية الفضة وفتحتها، وحطت جوه تجويفها صورة صغيرة للأرض وهي خضراء ومزدهرة.
قالت بصوت واطي ومسموع ليها هي بس: “أنا عملت اللي قولت عليه يا جدي، لا خنت الأرض، ولا سمحت لحد يكسرني.”
قامت مريم، مسحت دموعها اللي نزلت من غير ما تحس، وركبت عربيتها. الطريق كان مفتوح، مفيش وراها أي سجون، ومفيش قدامها غير طريقها اللي هي اختارته بنفسها، طريق منور بالعدل والشغل، طريق مفيش فيه “مفاتيح” تانية غير مفتاح نجاحها اللي محدش يقدر ياخده منها أبداً.


