حماتي حبست طفلة تانية في بيت المزرعة بتاعها وهددتني

حماتي حبست طفلة تانية في بيت المزرعة بتاعها وهددتني بعد ما بنتي اللي عندها خمس سنين شافتها، ومن اللحظة دي حياتي اللي كنت فاكراها هادية ومستقرة بدأت تنهار زي قصر من الرمل في وسط عاصفة. قالتلي بصوت بارد بيخلو من أي رحمة: “بنتك شافت حاجة مكنش المفروض تشوفها أبداً يا بنتي، ولو فتحت بوقها بأي كلمة، اللي هيحصل بعد كده هيبقى ذنبك إنتي وحدك”. كانت فاكراني أرملة ضعيفة، مكسورة، ومافيش في إيدي أي حجة أو دليل يدينها، لكنها كانت غلطانة، غلطانة جداً. ما كانتش تعرف إن “إيما” كانت مخبية “أسورة مستشفى” مهترئة جوه دبدوبها المفضل، ولا كانت تتخيل إن جوزي الراحل ريان، قبل ما يروح من الدنيا في الحادثة اللي غيرت مسار حياتي، كان سايب ملف مقفول بالشمع الأحمر ومخبيه في مكان محدش يتوقعه، ملف عليه اسم نفس الطفلة دي “لوسي”.

بعد تلات سنين من موت ريان في حادثة عربية غامضة، كنت لسه بحاول أجمع شتات حياتي وألملم بقايا الذكريات. كنت بدرس ابتدائي الصبح، وبقضي الليل كله في حساب الفواتير والديون اللي سابها وراه، وبحاول أبتسم في وش بنتي كل ما تسألني هو بابا كان بيحب إيه وكان بيعمل إيه وهي بتبص لصورته اللي معلقاها في الصالة. إيما كانت نسخة تانية من ريان، عندها عيونه الزرقاء اللي بتخترق الحقيقة، وعندها طبع الفضول اللي مبيسيبش حد في حاله لحد ما الكل يعترف بكل اللي يعرفوه. وده كان السبب الوحيد اللي خلاني أوافق أسيبها مع أم ريان في الويك إند، كنت فاكرة إن دي فرصة عشان الجدة تبني علاقة مع حفيدتها، لكن “ديان ويتمور” ما كانتش جدة عادية، كانت ست عايشة لوحدها في مزرعة مقطوعة بعيد عن العالم في ضواحي فريدريكسبرج.

البيت كان عبارة عن حصن قديم ورا أسوار مصدية وأراضي بور، بعيد عن الطريق لدرجة إن لو حد صرخ بأعلى صوته، مفيش حد هيسمعه غير الغربان اللي بتحوم حوالين البيت. لما وصلت يوم الأحد بعد الضهر عشان أخد بنتي، ديان خدت دقيقتين كاملين عشان تفتح الباب، ودقيقتين في الموقف ده كانوا زي الدهر. لما فتحت الباب، كان شعرها الرمادي منكوش كأنها كانت في معركة، وكم قميصها كان متشمر، ومن وراها لمح ت عيني مشهد خلاني أقف مكاني: السلم كان مسدود بكرسي خشب تقيل، كأنها بتحاول تمنع حد من الصعود أو النزول. قالتلي بصوت متهدج: “إيما في الصالون”.

دخلت لقيت إيما قاعدة متخشبة على الكنبة، حاضنة دبدوبها “مستر بيكلز” لصدرها بكل قوتها. ما جتش تجري عليا زي عادتها، وما ابتسمتش، كانت بس باصة للسقف بعيون تايهة. ديان أدتني شنطة هدوم إيما وهي بتبصلي بحدة وقالت: “البنت دي عندها خيال واسع زيادة عن اللزوم، وإنتي بتشجعي ده فيها، لازم تلميها قبل ما تتسبب في مشاكل”. ركعت قدام بنتي وسألتها بخوف مكتوم: “إيما حبيبتي، جاهزة نروح البيت؟”. هزت راسها ببطء من غير ما تنطق. وأنا طالعة بالشنطة، ديان مسكت إيدي بقوة، ضوافرها غرزت في جلدي وقالت بهمس يخوف: “الأطفال بيألفوا قصص عشان يلفتوا الانتباه يا حبيبتي، والأمهات الشاطرة تعرف إمتى تسكتهم وتمسح كلامهم من ذاكرتهم”.

سحبت إيدي منها وركبت العربية بسرعة، ويادوب وصلنا طريق الزلط، مالت إيما عليا وقالت بصوت واطي: “ماما، جدتي قالتلي إني ممنوع أبداً أحكيلك اللي شفته فوق”. حاولت أتماسك: “إنتي تقدري تحكيلي أي حاجة يا إيما، أنا هنا عشان أحميكي”. صوابعها شدت على الدبدوب لدرجة إني حسيت إنه هيتمزق: “كان فيه بنت تانية فوق يا ماما. جدتي حابساها في الأوضة الزرقاء”. حسيت بدمي اتجمد في عروقي. إيما حكتلي إنها صحيت بالليل تدور على الحمام وسمعت صوت عياط مكتوم ورا باب، وكان فيه ترباس حديد كبير مقفول من بره. ركعت على الأرض ووشوشت من الفتحة، والبنت اللي جوه قالتلها إن اسمها “لوسي”. قالتلي بكل براءة: “هي كانت تعرف بابا، قالتلي بابا وعدها إنه هيرجع ياخدها، بس هو اتأخر قوي”.

الكلمات دي نزلت عليا زي الصاعقة. ريان ما جابش سيرة طفلة اسمها لوسي أبداً، بس في ذاكرتي البعيدة، افتكرت ليلة قبل ما يموت بشهور، صحيت لقيته قاعد في المطبخ وماسك صورة قديمة لطفلة صغيرة وباصص لها بحزن وألم. لما سألته مين دي، اتنفض وفزع، ودخل الصورة بسرعة في ظرف وقال: “دي حد أمي عايزة الدنيا كلها تنسى وجوده، سيبك من الموضوع ده”. في البيت، إيما قفلت باب أوضتها ورانا، وفتحت السوستة اللي في ظهر الدبدوب وطلعت منها حاجة صغيرة، أسورة مستشفى قديمة، مكتوب عليها “لوسي آن ويتمور”. تاريخ الميلاد كان بيقول إنها عندها 8 سنين، وعلى الضهر كان مكتوب بخط أزرق باهت أربع كلمات قلبت حياتي: “ريان قال دوروا على ميليسا كارتر”.

قبل ما ألحق أستوعب، تليفوني رن، وكانت ديان. صوتها كان مليان تهديد: “بنتك سرقت حاجة من بيتي يا حلوة”. سألتها بكل شجاعة: “مين لوسي؟”. سكتت التليفون، سكتة خلت أعصابي تنهار، وبعدين صوتها اتغير تماماً للوحشية: “هاتي اللي خدته، النهاردة قبل ما الشمس تغيب”. قلتلها: “إنتي حابسة طفلة في أوضة يا مجنونة”. ردت ببرود: “إنتي ما تعرفيش إنتي بتلعبى في إيه. ريان جوزك عمل نفس الغلطة ودفع تمنها، وعايزة تحصلي زيه؟”.

نفسي اتقطع، سألتها: “يعني إيه؟”. قالت: “يعني جوزك كان المفروض يخليه في حاله ويبعد عن طريقي. ولو بعتي البوليس، هقولهم إنتي اللي محفظة البنت عشان طمعانة في المزرعة والأرض. تفتكري هيصدقوا مين؟ مدرسة غلبانة مديونة، ولا جدة الطفلة القانونية اللي الكل بيحترمها؟”. وقفلت السكة في وشي. ما عيطتش، الدموع خلصت، دلوقتي وقت الفعل. فتحت الصندوق الحديد اللي ريان كان دايماً شايله تحت السرير، لقيت جواه مفتاح نحاس قديم، كارت محامية، وظرف مقفول مكتوب عليه: “إلى لوسي، لو أمي حاولت تكرر اللي عملته”.

اتصلت بالرقم، والمحامية “مارا بيل” ردت من أول رنة. لما قلتلها اسم لوسي ويتمور، سكتت تماماً وقالتلي بصوت مرعوب: “ما تتصليش بديان تاني خالص. صوري الأسورة، خلي إيما جنبك، أنا بفتح ملف ريان اللي كان محتفظ بيه”. الصبح، مارا قابلتني عند أول طريق المزرعة مع قوة من البوليس ومسؤول حماية أطفال. ديان كانت واقفة على البلكونة ببلوزة كريمي وهادية جداً، كأنها بتشرب قهوتها في يوم عادي، مش مستنية حد. قالت وهي بتسخر: “مافيش أي طفلة هنا. ميليسا والدة البنت ست مش متزنة، وموت ابني ريان كسرها وخلتها تتخيل قصص”.

مارا طلعت ملف تقيل جداً، ديان ضحكت وقالت: “دي اتهامات قديمة، ريان حاول يعمل كدة قبل ما يموت وفشل”. مارا ردت بثقة: “دي مش اتهامات يا ديان، دي أدلة”. وحطت عقد ملكية للأرض، وورقة وصاية قانونية موثقة من ريان قبل وفاته، وإقرار قانوني باللي بيحصل في المزرعة. وفجأة، سمعنا خبطة خفيفة ومكتومة من الدور التاني. إيما شاورت بإيدها الصغيرة وقالت: “دي الأوضة اللي فيها لوسي”.

وش ديان اتمسح منه كل معالم الثقة، وبدأ لونها يتغير للأصفر. مارا فتحت الملف وبصت في عينها وقالت بصوت عالي: “يا مدام ويتمور، افتحي الأوضة الزرقاء حالا، وإلا هنكسر الباب بمذكرة تفتيش وقوة قانونية”. ديان رجعت لورا، وبدأت تتلعثم، بس مارا ما ادتهاش فرصة. البوليس طلعوا على السلم وكسروا الباب، وهناك لقينا الحقيقة اللي كانت مستخبية سنين. لوسي كانت قاعدة في زاوية الأوضة، مكسورة، خايفة، ووشها باهت من قلة الضوء. أول ما شافتني، استخبت ورا البوليس، بس لما إيما دخلت وخدتها في حضنها، لوسي بدأت تعيط.

ديان اتحطت في الكلابشات وهي بتصرخ بكلمات مش مفهومة، والبوليس بدأوا يحققوا في كل ركن في البيت. طلع إن لوسي كانت حفيدة غير شرعية، وأن ريان كان بيحاول ينقذها من جبروت أمه اللي كانت بتحاول تمحي وجودها عشان الفلوس والسمعة. ميليسا كارتر، أم لوسي، كانت موجودة في مصحة قريبة، ديان كانت مخبيها هناك بعد ما أهملت صحتها ونفسيتها عشان تجبرها تتنازل عن بنتها.

يومها، لما خرجنا من المزرعة ولوسي في إيدينا، حسيت إن ريان لسه عايش في كل فعل بنعمله. خدت لوسي لبيتنا، كانت خايفة في الأول، بس بوجود إيما بدأت تتحسن. المحامية مارا كملت الإجراءات، ولأول مرة من سنين، لوسي كانت حرة. ريان ما كانش غلطان، كان بطل بيحارب في صمت، وأنا كنت فخورة إني كملت المهمة اللي بدأها. قعدت مع البنات بليل، وفتحت الظرف اللي ريان سابه لـ لوسي، كان جواه رسالة مكتوب فيها: “أنا عارف إني مش موجود، بس أنا اخترت الإنسانة اللي هتقدر تحميكي، والوعد اللي قطعته ليكي، إيما وأمها هينفذوه”.

بصيت للبنات وهما نايمين بسلام، وحسيت إن حياتي أخيراً بدأت تاخد معنى. الفلوس والمشاكل والديون بقت حاجة تانية، الأهم كان إننا قدرنا نغير قدر طفلة كانت هتموت في الظلمة. ديان بتتحاكم دلوقتي، وكل اللي عملته طلع للعلن. وأنا، بقيت أم لتنين، مش واحدة، وهفضل أحمي لوسي وإيما لحد ما يكبروا، عشان ريان كان عارف إن قلبي هيقدر يشيل الحمل ده. الحياة مش دايمًا سهلة، بس لما يكون وراكي سبب نبيل، بتلاقي القوة في أماكن ما كنتيش تتخيلي إنها موجودة فيها، والملف اللي كان مقفول بالشمع الأحمر، بقى هو المفتاح اللي فتح لنا باب الأمل من جديد، باب خلانا نبدأ حياة تانية، حياة مافيش فيها أسرار ولا أقفال حديد، بس فيها عيلة، عيلة ريان اللي كان بيحلم بيها وضحى بكل شيء عشانها. وكل ما أبص في عيون لوسي وإيما، بشوف نظرة ريان، نظرة بتقولي: “شكراً، كنت عارف إني أقدر أعتمد عليكي”.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *