خلف الأبواب المغلقة

كانت “هند” معلمة للمرحلة الابتدائية في إحدى مدارس الرياض، تبلغ من العمر خمسة وثلاثين عاماً، وتتصف بالهدوء والقلب النقي الذي يسع الجميع. تزوجت من شاب في نفس عمرها تقريباً يُدعى “خالد”، وكان رجلاً صالحاً ومحباً. مرت سنتان على زواجهما دون أن يرزقا بطفل، وكان الشوق للأمومة ينهش قلب هند، حتى جاء ذلك اليوم الذي زفت إليها الطبيبة فيه البشرى: “أنتِ حامل”.

​طارت هند وخالد من الفرحة، ولم تسعهما الدنيا. مرت شهور الحمل بسلام، ووضعت هند مولوداً جميلاً أسمياه “محمداً”. ولأن إجازة الأمومة قصيرة ولن تكفي، أصر خالد على استقدام خادمة آسيوية غير مسلمة لتساعد هند في أعمال المنزل وتهتم بالصغير أثناء غيابها في المدرسة.

​الفجيعة الأولى.. والدموع الزائفة

​عادت هند إلى مدرستها، وكانت الخادمة تبدي اهتماماً فائقا بالطفل. لكن بعد ثلاثة أشهر فقط من عودة هند للعمل، صدمت بخبر نزل عليها كالصاعقة: وفاة طفلها محمد وهو ابن أربعة أشهر فقط.

​دخلت هند في حالة ذهول وحزن شديدين، والغريب أن الخادمة كانت تبكي بحرقة مواسيةً الأم، وتتصل بها في المدرسة يومياً لتطمئن على حالتها النفسية. هذا اللطف الزائف جعل هند وخالد يستبعدان تماماً أي شك في الخادمة، واعتبروا ما حدث قضاءً وقدراً.

​مرت الأيام، وتسلل الأمل مجدداً إلى قلب هند عندما حملت للمرة الثانية، وأنجبت مولوداً ذكراً، وإحياءً لذكرى الراحل، أسمته أيضاً “محمداً”. ورغم الأفكار السوداء والخوف الذي كان يطاردها، إلا أنها توكلت على الله. لكن الفاجعة تكررت؛ بعد ولادته بشهر واحد فقط، عثرت عليه ميتاً في سريره! أفاد التقرير الطبي بأن الوفاة طبيعية (موت مفاجئ)، فاحتسبت هند أجرها عند الله، وظلت الخادمة فوق مستوى الشبهات لإخلاصها الظاهري.

​نقطة التحول.. والرحيل المفاجئ

​بعد فترة وجيزة، حملت هند للمرة الثالثة. وهنا حدثت المفاجأة: طلبت الخادمة بشكل مفاجئ وملحّ السفر إلى بلادها دون عودة، بحجة أن والدتها مريضة جداً. طلبت منها هند أن تنتظر أسبوعين فقط حتى تأتي خادمة جديدة لتدريبها، فوافقت الخادمة على مضض.

​وصلت الخادمة الجديدة، وقامت القديمة بتدريبها لمدة أسبوع. وتقديراً لسنوات خدمتها ومواساتها لها في أحزانها، أخذت هند الخادمة المغادرة إلى السوق، واشترت لها ولأقاربها هدايا ثمينة وملابس دون أن تدعها تدفع ريالاً واحداً. كانت الخادمة الجديدة تراقب الموقف من بعيد، وتنظر إلى هند باستغراب ودهشة شديدين من كثرة الكرم الموجه لامرأة تعتقد أنها لا تستحقه.

​اللحظة الحاسمة.. وانكشاف المستور

​بينما كانت الخادمة المغادرة ترتب حقائبها في الغرفة استعداداً للسفر في الصباح الباكر، استغلت الخادمة الجديدة خروجها لدورة المياه، وتوجهت مسرعة إلى غرفة هند. التفتت يميناً ويساراً في الممر، ثم دخلت وأغلقت الباب بهدوء، ملامحها كانت مضطربة وخائفة.

​نظرت إلى هند وقالت بصوت متهدج:

​”سيدتي.. لدي كلام خطير أريد أن أقوله لكِ، لا أعرف كيف أبدأ.. ولكن أخبريني أولاً، هل كان لديكِ أطفال من قبل؟”

 

​انقبض قلب هند بشدة، وشعرت برعشة في جسدها، وقالت بحدة وخوف:

​”نعم.. طفلان وقد توفيا! أخبريني بسرعة، ما الذي تريدين قوله؟!”

 

​أخذت الخادمة الجديدة نفساً عميقاً وقالت:

​”سيدتي، أثناء مساعدتي لها في ترتيب حقيبتها، رأيتها تخبئ زجاجة صغيرة سائلة بعناية فائقة وسط ملابسها الداخلية. عندما سألتها عنها، ضحكت بسخرية وقالت لي تفاخراً: (هذا سري الصغير.. هذا السائل هو سبب موت طفليها السابقين! كنت أضع منه قطرات في حليب الرضيعين ببطء شديد حتى يموتا دون أن يشك الأطباء في شيء.. أنا أكره الأطفال وأكره رؤية هذه العائلة سعيدة، والآن سأغادر بمالي وهداياي دون أن يكشفني أحد)!”

 

​النهاية والعدالة

​نزلت الكلمات على مسامع هند كصاعقة دمرت كل ما حولها. دارت بها الغرفة، وتذكرت طفليها، وتذكرت دموع تلك الأفعى ومواساتها لها. لكن غريزة الأمومة وحماية جنينها الثالث منحتها قوة مفاجئة. تظاهرت بالهدوء، وطلبت من الخادمة الجديدة العودة لغرفتها وكأن شيئاً لم يكن.

​أغلقت هند بابها واتصلت بزوجها خالد وهي تبكي بحرقة وتكاد تختنق، وشرحت له الأمر. جن جنون خالد، واتصل بالجهات الأمنية فوراً، وعاد إلى المنزل بأقصى سرعة ومعه رجال الأمن.

​تم اقتحام غرفة الخادمة قبل ساعات من موعد رحلتها للمطار. وبتفتيش حقيبتها بدقة، عُثر على الزجاجة السامة مخبأة في نفس المكان الذي وصفت الخادمة الجديدة. تم اقتياد المجرمة إلى قسم الشرطة، وأمام الأدلة الدامغة وتقرير المختبر الجنائي الذي أكد سمية المادة، انهارت الخادمة واعترفت بجريم..تها النكراء بدافع الحقد والغل الأسود.

​أُودعت المجرمة السجن لتنال جزاءها العادل بالقصاص، بينما سقطت هند على ركبتيها باكية، تشكر الله تعالى الذي سخر لها الخادمة الجديدة لتكون سبباً في إنقاذ طفلها الثالث، وكشف الستار عن أبشع جريم..ة عاشت تفاصيلها داخل بيته

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *