بعد ولادتي لروماني مكرم

المحامي كمل كلامه وهو بيصلي على النبي: “الراجل قلبه مكسور تماماً يا جماعة.. بيقول إنه دفن أمه النهاردة الصبح، وقاعد في الشقة لوحده، مش قادر يقعد فيها ساعة واحدة. الشقة فاضية، والبيت مهجور، وهو حاسس إن كل شبر في البيت بيصرخ في وشه بذنب شيماء وأهلها. وطلب مني أمانة أقولها لك يا شيماء.”
بصيت للمحامي وقُلت له بثبات: “أمانة إيه يا أستاذ؟”
المحامي طلع الورقة اللي كتب فيها كلامه وقال: “بيقول لك: ‘أمي راحت لمولاها، والذنب اللي في رقبتي ورقبتها مش قادر أشيله لوحده. أنا مسامح في كل حاجة، وبترجاكي من كل قلبي تدعي لها بالرحمة، وتسامحيها على كلمة الفقر والتعييرة اللي قالتها لأهلك، عشان هي راحت للحي القيوم اللي ما بياخدش عنده إلا الحق.. وأنا أستاهل كل اللي يجرى لي، بس طمني قلبي إنك مش شايلة في قلبك منها بعد ما راحت لدراها’.”
الدموع نزلت من عيني صامتة.. مش حزناً على أمه، ولا ندم على فراقه، لكن على الدنيا الرخيصة اللي الناس بتبني فيها أوهام من الكبر والغرور، وفي الآخر بيخرجوا منها بحتة قماش بيضاء وما بيفضلش غير الأثر والتسامح.
أبوي رفّع راسه وقال بوقار أهل الصعيد: “الميت راحت لمولاها يا أستاذ، وما يلتجئش عليها غير الرحمة.. ربنا يسامحها ويغفر لها ويغفر لنا جميعاً. قل له يا أستاذ إننا مسامحين لوجه الله، والذنب اللي كان بيننا وبينها انطوى بوفاتها.”
المحامي هز راسه احتراماً وقال: “الله ينور عليك يا حاج، ده أصلكم.. بس أبو حمزة كمان قال إنه من الجمعة الجاية مش هيقدر ييجي الرؤية لعدة أسابيع، لأنه بيمر بظروف صحية ونفسية صعبة جداً، ونقول لـ حمزة إن أبوه مسافر شغل عشان ما يزعلش.”
بعد ما مشي المحامي، قعدت على الخياطة ثاني، مسكت قماش الرضيع اللي كنت بنضفه لحمزة، وبصيت للولد وهو نايم في حضن أمي. حسيت إن الأيام أثبتت لي إن الحق ما يضيعش، وإن ربنا ما بيكسرش خاطر مظلوم. أمه راحت لدار الحق، وهو بقى عايش في دار الباطل اللي بناها بأيده، بيت فاضي، شقة مهجورة كلها تراب وذكريات توجع القلب، وأخت بايعة، وابن بيشوفه بساعات ومستندات.
مرت شهور على وفاة أمه، وجاء يوم الجمعة اللي قال المحامي إن أبو حمزة هيرجع فيه للرؤية بعد غياب. أخدت الولد ورُحت مركز الشباب.. كنت متوقعة أشوف راجل حزين، بس اللي شفته في اليوم ده على باب مركز الشباب خلى قلبي يتنفض من الذهول!


