بعد ولادتي لروماني مكرم

بصيت له باستغراب وقُلت: “ماشي رايح فين؟”
ابتسم ابتسامة مكسورة مليانة حزن وقساوة وقال: “بعت الشقة.. الشقة اللي كانت سبب خراب بيتي، واللي كانت أمي -الله يرحمها- عايزاكي تنزلي تنضفيها وجرحك ناضح دم.. بعتها برخيص يا شيماء، بعتها عشان مش قادر أدخلها ولا أتنفس فيها. كل ركن فيها كان بيصرخ في وشي بصوتك وصوت عياطك، وكل شبر تراب فيها كان بيذكرني بقسوتي وذنبي.. بعتها وسددت باقي ديوني، وباقي القرشين حطيت نصهم في حساب البنك باسم حمزة، يتربى بيهم ويكبر، والنص التاني أخدت بيه أوضة صغيرة بالإيجار في إحدى قرى طنطا، هقعد هناك أشتغل في مصنع غزل وصوف، بعيد عن الناس وبعيد عن الذكريات اللي بتق/تلني كل ليلة.”
سكت شوية، والدموع رجعت تلمع في عينيه وكمل:
“أختي في السعودية عرفت إني بعت الشقة، اتصلت بي تصرخ وتطالب بنصيبها، وقالت لي كلام أقسى من الرمح.. سيبت لها الفلوس في البنك وقلت لها خدي حقك وابعدي عني.. أنا أختي باعتني عشان قرشين، وأمي راحت، ومراتي وابني ضاعوا مني بسبب طمعنا وقسوتنا.. أنا بقيت في الدنيا دي طريد، ماليش أصل ولا سكن ولا ونيس غير ذنبي.”
الكلام كان بيلزل زي المطر الثقيل، وقفت مش عارفة أقول إيه. القسوة اللي جربتها منه زمان تلاشت، وحل مكانها الشفقة على إنسان دمر حياته بيده.
قرب خطوة من السور وقالي بتوسل:
“أنا مش هقدر أجي الصعيد كل أسبوع زي الأول يا شيماء.. الصحة راحت والقلب اتعطب.. هجي مرة واحدة في الشهر أشوف حمزة ساعتين وأمشي.. وبترجاكي، لو جرى لي حاجة في الغربة دي، ما تخليش حمزة يكرهني.. قوليلو أبوه كان عبيط وقاسي وركب رأسه لحد ما خرب بيته، بس كان بيحبك وكان ندمان لحد آخر نفس في حياته.”
أبوي كان جاي من بعيد عشان ياخدنا، وقف وشاف المنظر، سمع أواخر الكلام. قرب من أبو حمزة، وحط إيده على كتفه بوقار وحنان الأب الصعيدي، وقال له:
“استعيذ بالله يا بني.. ربنا غفور رحيم، وأنت ذقت عقابك ودقت المرار، والمسامحة من شيم الكرام.. روح في طريقك وربنا يصلح حالك، وابنك في حفظ الله ورعايته، هيربى على الأصول والدين، وعمره ما هيسمع منا كلمة واحدة تعيبه في أبوه.”
أبو حمزة انحنى وباس إيد أبوي بحرارة، وبص لي بآخر نظرة رجاء ووداع، ونزل باث رأس حمزة وقال له: “خلي بالك من أمك يا حمزة.. أمك جوهرة أنت ما تعرفش قيمتها، حطها في عينيك واستقوى بيها.”


