بعد ولادتي لروماني مكرم

لف ضهره ومشي بخطوات بطيئة، ضهره محني وشعره الأبيض يبان من تحت الكاب اللي لابسه، واختفى في زحمة الشارع الرئيسي.
رجعت البيت وأنا حاسة إن الحمل اللي كان على قلبي انزاح بالكامل، بس الأيام ما كانتش لسه قفلت الستار، لأن بعد مرور سنة كاملة على سفر أبو حمزة وانقطاع أخباره، وصل لبيتنا في الصعيد جواب مكتوب بالإيد، جاي من مستشفى حكيمي في طنطا!
استلمت أمي الجواب من إيد ساعي البريد، الجواب كان أصفر ومكرمش، مكتوب عليه بخط مرعوش وركيك اسم أبوي والعنوان بالتفصيل، وفي أقصى الظرف من فوق ختم مستشفى طنطا العام. أمي إيدها كانت بترعش وهي بتمسك الظرف، ونادت عليّ بصوت خايف: “يا شيماء.. تعالي يا بتي شوف الجواب ده، ده جاي من طنطا من الناحية اللي راحها أبو حمزة!”
طلعت من الأوضة وأنا مسكة المقصة والمتر بتاع الخياطة، قلبي اتفض في صدري أول ما شفت اسم المستشفى. أبوي كان قاعد في حوش البيت بيصلح في الفأس، حط الفأس على جنب، وعدل نظارته، وأخد الجواب من إيدي ببطء شديد. فتح الجواب بحذر، وطلع الورقة المكتوبة بخط طبيب أو ممرض، وبدأ يقرأ بصوت واطي وأمي وأنا واقفين على أعصابنا.
الجواب كان نصه كالتالي:
“إلى السيد المحترم والد السيدة شيماء.. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نُحيطكم علماً بأن المريض (فلان) يرقد لدينا في قسم الباطنة بالمستشفى العام بطنطا في حالة صحية حرجة جداً، إثر ازدياد وتدهور حالته بمرض التليف الكبدي والفشل الكلوي. المريض يرفض العلاج، ولا يوجد بجانبه أي مرافق أو أحد من أقاربه، وهو في ساعات حرجة من عمره، ولا يتوقف عن المناداة باسم ابنه ‘حمزة’ وطلب العفو من زوجته السابقة ‘شيماء’. نرجو حضوركم أو إبلاغ من يهمه الأمر للضرورة القصوى قبل فوات الأوان.”
أمي حطت إيدها على صدري وصدرها وبدأت تبكي: “يا مري يا بني! الداهية اللي طاح فيها دي كلها وهو لوحده في الغربة؟ لا حبيب ولا قريب جنبه؟”
أبوي قفل الجواب وطواه ببطء، بص لي بعيون مليانة وقار وحكمة، وقال لي بصوت صلب هادي: “سمعتِ الجواب يا بتي؟ الأيام دارت، والراجل بين إيدين الكريّم.. لا هينفعه ندم ولا هينفعنا قسوة. القلوب لو ما لانتش في لحظات الموت، يبقى ما فيهاش رحمة ربنا.”

