بعد ولادتي لروماني مكرم

في القاهرة، الحياة بقت بالنسبة له شغل شاق عشان يجيب ثمن العلاج والنفقة، ويرجع البيت يلقى أم صامتة عاجزة على السرير، بتبص للسقف وبتبكي بدون صوت من حسرتها على ابنها اللي اتدمر وعلى حياتها اللي انتهت بالمرض. وبقى كل يوم جمعة، يركب القطر في نص الليل، ييجي الصعيد ويقعد الثلاث ساعات بتوع الرؤية في مركز الشباب، بس المرة دي ما بقاش ييجي يقعد بغرور أو غضب، كان بييجي يقعد ساكت، يلمس إيد حمزة ويتأمله، ويعيط في صمت.

وفي يوم من أيام الرؤية، بعد ما حمزة كمل سنتين وبدأ يتكلم ويفهم، جوزي قاعد مع الولد، والولد بدأ يستجيب له شوية بشوية. جوزي بص لي وأنا واقفة بعيد، وطلع من جيبه ظرف أبيض وناداني بصوت مكسور:

“شيماء.. تعالى يا شيماء، خدي الجواب ده.”

قربت خطوتين وقُلت له: “جواب إيه ده؟”

رد وهو بينزل عينيه في الأرض والندم بياكل ملامحه:

“دي ورقة طلاقك يا شيماء.. أنا عرفت إنني لو فضلت معلقك هكون بظلمك تاني، وأنتِ ما تستاهليش إلا كل خير.. أنا دمرت حياتي بس مش هسيبك أذاكي أكتر من كده.. أوراقك كلها هتجيلك للبيت بالمأذون، مع كل حقوقك والمؤخر والنفقة.”

مسكت الظرف بإيدي، وبصيت له، لقيت عيونه مطفية تماماً، خالي من أي أمل، وكأنه سلم خلاص بعقابه الأبدي. وقبل ما يلف ويمشي، وقف ودور وشه لي وقال لي بنبرة تقطع القلب:

“أنا طلقتك بقلمي، بس والله يا شيماء، عمرك ما هتروحي من قلبي، وهفضل أندم على اليوم اللي زعلتك فيه لحد ما أنزل القبر!”

مشى وسابني واقفة بالورقة في إيدي، حمزة مسك في إيدي وهو بيقول: “بابا عيط ومشى يا ماما!”.. سكت وبصيت للسماء وأنا حاسة إن صفحتي القديمة اتطوت بالكامل، بس الأيام كانت بتجهز لمرحلة جديدة خالص في حياتي وحياة ابني!

مرت الأيام وتوالت السنين، والورقة اللي استلمتها في مركز الشباب كانت النهاية الرسمية لقصة مليانة بالوجع، بس كانت البداية الحقيقية لحياة جديدة بنيتها بعرق جبيني وكرامتي. خرجت من تجربة زواجي وأنا فاهمة إن الضعف استسلام، وإن الست لما بتنداس كرامتها مالهاش غير سند نفسها وأهلها اللي صانوها.

حمزة كبر وبقى يروح الروضة، ولد زي الفل، عينيه مليانة ذكاء وشقاوة، وكل ما يكبر كل ما يبهت أثره القديم في قلبي ويتحول لحب مطلق للطفل اللي بقى كل دنيتي. رجعت كملت دراستي المفتوحة اللي كنت وقفتها أيام الجواز، وبدأت أشتغل في حضانة خاصة في البلد، ومنها لتفصيل وتطريز الهدوم اللي تعلمته من أمي. بقيت أعمل قرشي بأيدي، ومرفوعة الراس، لا مستنية نفقة تتأخر ولا منّة من حد. أبوي كان يبص لي وأنا قاعدة على ماكينة الخياطة في الليل والولد نافتي جنبي، ويقول لي وهو بيعدل شاله: “الله يرضى عليكِ يا بتي، رفعتي رأسنا وصنتي نفسك، والقرش اللي ييجي بعرقك هو اللي فيه البركة.”

الصفحة السابقة 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 22 23 24الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *