بعد ولادتي لروماني مكرم

بالفعل، بعد أقل من شهر، وصل لأبوي جواب على يد محضر. المحكمة بتطالبني بالحضور في قضية ضم الحضانة المستعجلة والرؤية، ومرفوق معاها بلاغ كاذب بيتهموني فيه بإهمال الطفل والهروب بيه وتعريض حياته للخطر، وإنني غير أهلة لحضانته لأني مريضة نفسياً وسبت بيت الزوجية بدون إذن!
أبوي مسك الجواب وإيده بتميل، أمه كانت بتبكي وتقول: “يا مري.. حيلتنا إيه للمحامين والمحاكم يا حاج؟ إحنا ناس على باب الله، وهما معاهم القرش والفلوس اللي جابوها من الخليج!”
بس أبوي بص لي وبص للوليد اللي كان ساكت في حضني، وقال بصلابة أهل الصعيد: “الباطل لو معاه مال الدنيا، الحق معاه رب العباد. هبيع حتة الأرض الصغيرة اللي حيلتي، وأجيب لك محامي ابن حلال يقف في وشهم.”
بعنا اللي حيلتنا بالرخيص عشان نسدد أتعاب المحامي في القاهرة، وبدأت جلسات المحكمة. كان جوزي بيحضر مع محاميه الكبير اللي لابس بدلة غالية، وحماتي قاعدة في أواخر القاعة حاطة رجل على رجل وبتبص لي بنصر وتشفّي، وكأنها ضامنة الحكم في جيبها.
المحامي بتاعهم بدأ يتكلم بثقة وفرض عضلات قدام القاضي: “سيادة القاضي، موكلي أب حرقت قلبه زوجته، أخذت رضيعاً لم يتجاوز عمره أياماً، وهربت به في منتصف الليل إلى أقصى الصعيد، معرضة حياة الرضيع للخطر الداهم، وذلك بسبب خلافات زوجية بسيطة! ونطالب بضم الحضانة للأب لعدم أمانة الأم، أو إثبات حالة الإهمال الشديد.”
القاضي بص للأوراق ورجع بص لمحامينا، وقال: “دفاع المدعى عليها يتفضل.”
محامينا قام بثبات، وطلع ملف أوراق أبيض من شنطته وقال بصوت هادي ومتمكن:
“سيادة القاضي، العدل لا يكتمل إلا بالحقائق، وليس بالادعاءات المرسلة. موكلتي لم تهرب دلعاً ولا إهمالاً، بل هربت بطفلها نفاذاً بجلدها وحياتها من موت محقق!”
المحامي قدم للمحكمة التقرير الطبي الصادر من المستشفى الحكومي وتقارير الداية والوحدة الصحية في الصعيد، الموثقة بتاريخ وصولي بعد حادثة الهروب بساعات:
“سيادة القاضي، هذا تقرير طبي يثبت أن الأم وصلت إلى بلدتها بعد الولادة بأربعة أيام فقط، وهي تعاني من هبوط حاد في الدورة الدموية، وانفتاح جزئي في جرح العملية القيصرية، وتلوث جراحي كاد يؤدي بحياتها! وذلك بسبب إرغامها على القيام بأعمال منزلية شاقة وتكليفها بتنظيف شقة مغلقة منذ سنتين فور ولادتها!”

