بعد ولادتي لروماني مكرم

أبوي اتراجع خطوة لورا بصدمة، وأمي طلعت من المطبخ وهي ماسكة حمزة، وأنا طلعت وقفت جنب باب الأوضة، حاطة الشال على رأسي وببص له.
جوزي لما شافني، زحف على ركبه ناحيتي وهو بيصرخ ويبكي:
“شيماء! حقك عليا يا شيماء! اضربيني، اطرديني، اعملي فيا اللي أنتِ عايزاه بس سامحيني! أنا ندمان على كل لحظة زعلتك فيها، ندمان على كل كلمة أمي قالتها وأنا سكت، ندمان على الساعة اللي سبتك تمشي فيها وأنتِ بتنزفي! وحياة ابننا حمزة اللي من دمي ودمك، اديني فرصة أكون خدام تحت رجليكي أنتِ وابنك، أنا مستعد أسيب القاهرة وأجي أعيش هنا في الصعيد اشتغل في الفلاحة وأقعد تحت رجليكي بس ما تحرمينيش منكم!”
بصيت له ودموع الندم مغرقة وشة، وشفته بيتقلب في النار اللي صنعها بأيده. الندم كان باين في كل عرق في وشه، وفي تراب الأرض اللي كان بيلثم بيه إيد أبوي.
أبوي بص لي وقال لي بصوت هادي: “القرار قرارك يا بتي.. ربنا بيسامح، بس القلوب اللي انكسرت أنتِ الوحيدة اللي عارفة دواها.”
قربت خطوات هادية، حمزة كان ماسك في طرف جلابيتي وبيطلع رأس الصغير يبص لأبوه الخاضع على الأرض. جوزي مد إيده بترعش عشان يلمس رجل الولد، والولد خاف ورجع استخبى ورايا.
بصيت لجوزي وقلت له بقلب وجيع بس صلب زي الجرانيت:
“شفت الوجع يا فلان؟ شفت لما الشغل والنظافة والتراب يهد الحيل وأنت مش قادر تقف؟ أنت بتدوق دلوقتي قطرة واحدة من البحر اللي شربتهوني وأنا لسه مفتوحة ومربوطة بالشال في قطار الصعيد! أمك ربنا يشفيها ويسامحها على اللي عملته فيا وفي أهلي، بس أنا…”
جوزي بصلي بلهفة وأمل متوسل: “أنتِ إيه يا شيماء؟ قلبي هيقف من الخوف، قولي إنك هتسامحيني وهنرجع!”
رفعت رأسي ودموعي نازلة بس نبرتي كانت أصلب من الزمان، وبصيت في عينيه المتوسلة وقُلت له:
“أنا سامحتك لله يا فلان.. سامحتك عشان أطهر قلبي من المرار والغل، وعشان لما أبص لوجه ابني أكون صافية ونظيفة، وعشان ربنا يبارك لي في صحتي وفي عمري.. لكن الرجوع؟ الرجوع بيني وبينك بقى أبعد من السماء عن الأرض!”
جوزي اتنفض على الأرض وكأن كلمة “أبعد” دي كانت اتغرست في نص قلبه، صرخ بصوت شاحب ومبحوح:
“ليه يا شيماء؟! ليه بعد ما ذليت نفسي وجيت لحد عندك وزحفت على ركبي؟ ليه وأنا بتقطع في اليوم ألف مرة وندمان على كل لحظة فرطت فيها فيكي؟ أنا مستعد ألغي شخصيتي القديمة كلها، أعيش تحت جزمتك، أقطع علاقتي بأي حد يضايقك، بس ما تحرمينيش منك ومن ابني!”

