خاتم الماس بقلم منى السيد
خاتم الماس
بقلم منى السيد
لقيت خاتم ألماس جوّه غسالة مستعملة ورجّعته، فحياتي اتغيّرت بين يوم وليلة.
أنا عندي 30 سنة، اسمي أحمد، وأب أرمل لتلاتة عيال. تعبت لدرجة ما ينفعش النوم يصلحها. كونك أب أرمل بيخليك تعرف بسرعة إيه المهم: الأكل، الإيجار، الهدوم النظيفة، والأهم من ده كله هل أولادي واثقين فيك؟ كل الباقي بيبقى ضوضاء في الخلفية.
لما الغسالة بتاعتنا بدأت تصدر أنين عالي وبعدين وقفت نص الدورة وهي مليانة ميّة، حسيت إنها مش بس عطل… حسيت إنها فشل.
قال ميلو، 4 سنين، بصوت مستسلم:
— ماتت؟
قلت له:
— أيوه يا حبيبي… قاتلت لحد الآخر.
نورا، 8 سنين، عقدت إيديها:
— مش ممكن نعيش من غير غسالة.
هازال، 6 سنين، وهي ضامة أرنبها القماشي:
— إحنا فقراء؟
قلت مبتسم:
— إحنا شاطرين في التدبير.
الحقيقة مفيش معانا فلوس لغسالة جديدة.
في الويك إند، أخدت عيالي لمحل أدوات مستعملة في السيدة زينب. في ركن ورا، شفت غسالة مكتوب عليها:
“60 دولار. زي ما هي. من غير رجوع.”
الموظف هز كتفه وقال:
— كانت شغالة لما جرّبناها.
إما دي أو نغسل باليد.
بعد مشوار طويل دخلناها العربية، والعيال اتخانقوا على مين يقعد في الكرسي اللي فيه حزام أمان. خسر ميلو وعبس طول الطريق.
وصلنا البيت، ركّبت الغسالة، وقلت للأطفال:
— تشغيل تجريبي من غير هدوم… لو انفجرت نهرب.
تمتم ميلو:
— ده مرعب.
بدأت الغسالة، دخلت الميّة، ودور الحوض.
سمعت صوت رنين معدني حاد.
قلت للأطفال:
— ابعدوا عني.
دار الحوض تاني… رنّة أقوى. ولما بصيت، لمع حاجة جوّه.
وقفت الغسالة، صرفت الميّة، ومددت إيدي. لاقيت حاجة صلبة وملمعة.
خاتم.
سوار دهب في نصه ألماس. قديم، وباطنه متآكل من كتر الزمن.
همست نورا:
— كنز!
هازال بدهشة:
— جميل قوي!
ميلو قرب:
— ده حقيقي؟
قلت:
— يبدو كده.
قلّبت الخاتم، شفت النقش جوّه بالكاد باين:
“لـ كلير… مع الحب. دائمًا. ل.”
سأل ميلو:
— دائمًا؟ يعني للأبد؟
قلت:
— أيوه… للأبد.
الكلمة دخلت قلبي. تخيلت شاب جهّز الخاتم للزواج، مرّ عليه سنين وهو بيخلعه ويحطه كل يوم. ده مش مجرد خاتم… ده حياة كاملة.
وأعترف… خطر في بالي فكرة سيئة.
محل رهن. أكل إضافي. جزمة جديدة. فاتورة كهربا.
لكن نورا همست:
— بابا… ده خاتم حد بيحب حد للأبد؟
زفرت ببطء:
— أيوه… مش ممكن نحتفظ بيه.
أومأت:
— صح… مش هينفع.
في الليلة دي، جففت الخاتم كويس وحطيته على التلاجة لحد ما ألاقي صاحبته.
بعد نوم العيال، اتصلت بالمحل:
— لقيت خاتم جوا الغسالة… عايز أرجعه لصاحبه.
الموظف تردد، وبعدين قال:
— ست كبيرة… ابنها اللي جاب الغسالة. مش مسموح أعطي العنوان، لكن لو كان خاتمي كنت هتمنى حد يرجعه لي.
وأعطاني العنوان.
في اليوم التالي، رحت بيت صغير بحديقة مهتمة، طرقت الباب، وفتحت ست كبيرة.
قلت:
— هل أنتي كلير؟
قالت بحذر:
— أيوه… في إيه؟
طلعت الخاتم:
— ده مألوف ليكي؟
ثبتت مكانها ويدها ارتجفت وهي أخدته.
همست:
— ده خاتم جوازي… جوزي جابهولي وأنا عندي عشرين سنة. فقدته من سنين.
سألت:
— اسمه كان ليو؟
ابتسمت ودموع في عينها:
— ليو وكلير… دائمًا.
قالت:
— شكرًا… ماكانش لازم ترجعه.
قلت:
— بنتي قالت عليه خاتم أبدي… وماقدرتش أحتفظ بيه.
حضنتني بحنية:
— ليو كان هيحبك… كان مؤمن بالناس الطيبين.
رجعت البيت، قلبي مليان.
الصبح، صحيت على صوت سيارات شرطة وأضواء. امتلأ شارع البيت.
العيال اختبوا مذعورين.
طرقت الشرطة الباب، فتحته وقلبي بيدق.
الضابط قال:
— مش مطلوب منك حاجة… ده الخاتم اللي رجعته لجدتي؟
اتسعت عيني.
— أنا مارك، حفيد كلير. لما حكيت لها، ما وقفتش تتكلم عنك… الراجل الأرمل اللي رجع الخاتم بدل ما يبيعه.
سلمتني الرسالة بيد مرتعشة.
الورقة كانت صغيرة، بس إحساسها تقيل بشكل غريب.
بصّيت على الخط… كان مهزوز، كأن كل كلمة اتكتبت بعد تفكير طويل أو بعد دموع.
“الخاتم ده بيحمل حياتي كلها… رجعته ليك من غير ما يكون عليك شيء… عمره ما هيتنسي.
بمحبة، كلير.”
قرأت الاسم بهدوء:
— كلير.
رفعت عيني عليها. كانت واقفة ساكتة، بس جواها ألف كلام.
مدّت إيدها وحطّت الخاتم قدامي.
الخاتم كان بسيط… بس واضح إنه مش مجرد خاتم.
مدّيت إيدي وخدته. كان بارد، بس إحساسه غريب… كأنه شايل حاجة أكبر منه.
ما قدرتش أقول حاجة.
هي كمان ما قالتش.
بس قبل ما تمشي، قالت بهدوء:
— أنا عملت الصح.
هزّيت راسي من غير ما أتكلم.
لفّت ومشيت. ما بصتش وراها.
وأنا فضلت واقف بين الخاتم والرسالة والكلام اللي ما اتقالش.
بعد لحظات، الأطفال قربوا بخجل. واقفين بعيد شوية، كأنهم خايفين يقربوا أكتر.
بصّوا لي، وبعدين بصّوا على الخاتم.
قال واحد منهم بصوت واطي:
— في حاجة حصلت؟
قبل ما أرد، الضابط قرّب.
بص لهم وقال بهدوء:
— والدكم عمل الصح.
الأطفال سكتوا، مش فاهمين كل حاجة، بس حاسين إن في حاجة كبيرة حصلت.
هازال همست:
— إحنا في ورطة؟
ابتسمت ابتسامة بسيطة، بس كانت كفاية.
قلت:
— أبدًا… إحنا هنا نشكر.
هازال قربت شوية، ومسكت إيدي. ما قالتش حاجة، بس كانت محتاجة تطمّن.
بعد شوية، العربيات مشيت. الصوت اختفى. الهدوء رجع… الهدوء اللي بييجي بعد أي حاجة كبيرة.
نورا قعدت جنبي.
قالت بصوت واطي:
— كنت خايفة.
بصّيت لها وقلت:
— وأنا كمان.
سكتت شوية، وبعدين قالت:
— بس مفيش حاجة حصلت… علشان إنت عملت الصح.
ابتسمت… المرة دي بجد.
بالليل، كنت قاعد لوحدي. الرسالة قدامي، والخاتم جنبها.
قرأت الكلام تاني:
“الخاتم ده بيحمل حياتي كلها.”
وقفت عند الجملة دي.
فكرت فيها كتير… إزاي حاجة صغيرة كده تشيل عمر كامل؟
بس فهمت.
مش بالحجم… بالمعنى.
تاني يوم، صحيت بدري. دخلت المطبخ، علّقت الرسالة على باب التلاجة فوق المكان اللي كنت حاطط فيه الخاتم ليلة واحدة.
وقفت أبص عليها شوية، وقلت لنفسي:
كل مرة هاقراها… هفتكر.
هفتكر النقش:
“دائمًا.”
عدّت الأيام، وكل حاجة رجعت لطبيعتها… تقريبًا.
بس الرسالة فضلت مكانها.
وكل مرة أعدّي من قدامها، أقرأها وأبتسم.
علشان في حاجات… مش بتتنسى.
أبدًا.
النهاية
بقلم منى السيد

