أمي وجوزي

كانت الكلمات نازلة عليا كأنها صاعقة رعد في عز الشتاء، صوت نوح كان بيتردد في وداني كأنه صدى جوة بير عميق “ستو؟” يعني إيه أمي؟ إزاي أمي وجوزي طارق.. إزاي ده يحصل؟ حسيت إن الدنيا بتلف بيا والأرض بتتسحب من تحت رجلي، بصيت لنوح اللي كان بيبص لي بعيون كلها خوف ودموع محبوسة، ولقيت نفسي من غير ما أوعى بمسك في ايديه بقوة لدرجة وجعته، ركبت العربية وأنا مش متخيلة أنا سايقة إزاي، الأعصاب كانت سايبة تماماً وعقلي بيرفض يصدق أي تفكير منطقي، طول الطريق وأنا بكلم نفسي وبقول مستحيل.. دي أمي، وده طارق، ده أنا كنت لسه بكلمها امبارح وبتطمن عليها! طول السنين دي كنت فاكرة إننا عيلة مثالية، عيلة مبنية على الصراحة والحب والأمان، لكن في لحظة واحدة كل البناء ده انهار فوق دماغي وبقى حطام، وصلت قدام الفندق اللي نوح قالي عليه، نزلت من العربية ورجلي ما كانتش شايلاني، وشي كان أصفر من الخضة والدم مخنوق في عروقي، مسكت في نوح ووقفنا قدام الباب الزجاجي الكبير، بصيت جوة اللوبي وهنا كانت الصدمة الكبرى اللي جمدت الدم في عروقي؛ شفتهم بأم عيني، طارق جوزي ماشي جنب أمي وماسك ايديها بطريقة حميمة مستحيل تفسيرها غير بإنهم في علاقة واضحة وصريحة، إحساس بالتقزز والغثيان هجم عليا، حسيت إن روحي بتتسحب مني ببطء شديد، من غير ما أحس لقيت نفسي بدفع الباب وادخل وراهم بخطوات مرتعشة ومرعبة وعيني مبعدتش عنهم لحظة واحدة، طارق التفت وفجأة لقى نفسه في وشي، الملامح اتجمدت على وقفته ووشه اصفر أكتر مني بكتير، أما أمي.. أمي الحبيبة، الصاحبة، الأقرب لقلبي، بصت لي بعيون كلها رعب وكسرة وخزي، وبدل ما تجري تستخبى أو تعتذر، نزلت دموعها بغزارة من غير ولا حرف، وقفت قدامهم وأنا حاسة إن البركان جواه بينفجر وصوتي طلع مهزوز بس كان حاد زي الس*كين: “ليه؟ ليه تعملوا فيا كده؟ ده أنا مكنش ليا في الدنيا غيركم أنتم الاتنين!”، طارق بلع ريقه بصعوبة وحاول يتقدم خطوة ويقول بصوت واطي ومتقطع: “أنا أسف.. الموضوع مش زي ما انتي فاكرة، اسمعيني الأول”، بصيت له نظرة حسيت إنه صغر فيها قدامي لمجرد حشرة وقولت له بصوت مرعب: “اسمع إيه؟ ابني شافكم بعينه، وأنا واقفة وشايفة الخيانة بعينيا دول.. خيانة جوز العمر وأم العُمر في نفس اللحظة!”، نوح كان واقف ورايا بيبكي بصوت عالي ومش فاهم إزاي الناس اللي المفروض بيحبوه وبيحموه هم نفسهم اللي دمروا حياتنا بالشكل ده، الفندق كله كأن اتحول لمكان تاني وناس بتبص علينا باستغراب، وأنا واقفة في نص الصدمة مش قادرة أستوعب إزاي الكابوس ده حقيقي، وفجأة، وقبل ما طارق ينطق بحرف تاني يبرر بيه نذالته، فتحت أمي شنطة إيدها بتهكير أعصاب وطلعت ملف أوراق جلدي قديم ورمته على ترابيزة الاستقبال وقالت بصوت مكسور ومنهار تماماً: “إحنا مش في خيانة يا بنتي.. إحنا هنا عشان نقفل الدائرة اللي اتفتحت من ١٦ سنة”، بصيت لها باستغراب قاتل وقولت: “قصدك إيه؟”، وهنا اتدخل طارق وبصلي بدموع حقيقية وقال جملة نزلت عليا كالصاعقة الأكبر اللي هدمت كل تاريخ حياتي: “يا هدى.. أمك مش خايناكي معايا، أمك أصلاً.. متبقاش أمك البيولوجية، دي الست اللي اشترتك وأنا كنت الدكتور الشاب اللي أشرف على تبنيكِ من مستشفى سري، والنهارده بس عرفنا الحقيقة المذهلة.. إن طارق جوزك، يبقى في الأصل ابن أمك اللي ضاع منها واتخطف وهي صغيرة، يعني جوزك.. بيبقى أخوكِ في الرضاعة والدم بالتبني، وإحنا كنا هنا عشان بنطابق تحليل الـ DNA النهائي اللي أثبت إننا أخوات ومتجوزين من ١٦ سنة من غير ما ندري!”، حسيت إن جدران الفندق بتسقط عليا، وإن كل تفصيلة في حياتي كانت كدبة أكبر بكتير من مجرد خيانة زوجية، الدنيا اسودت تماماً قدام عيايا ووقعت مغشيًا عليّا على أرضية اللوبي وأنا سامعة صرخات نوح وصوت طارق وأمي بيحاولوا يفوقوني في كابوس ملوش نهاية.
