بنت مين اللي تيجي تقعد بيكي / حكايات نورهان العشري

اجتمعت العائلة في الصالون الذي شهد من قبل انكساري وإهانتي. كان الذهول سيد الموقف؛ عمي يجلس قلقاً، وحماتي تنظر إليّ بغل يحاول التخفي وراء كبرياء متهالك، بينما كان “جواد الراوي” يدخل القاعة بمنظر لم يعتده أحد منه من قبل. كان وجهه شاحباً، وعيناه غائرتين، وخطواته تفتقد ثقة الظابط المعهودة.
وقفتُ في منتصف الغرفة، وأخرجتُ الملف الأصفر المظلم وحططتُه على الطاولة أمام عمي.
نظر عمي إلى الملف باستغراب وقال:
ـ إيه دا يا ولاء؟ إحنا مش اتفقنا والموضوع اتلم والشقة والشبكة اتكتبوا؟
ابتسمتُ بهدوء ونظرتُ لحماتي التي كانت تتجهز لتفتعل مشكلة جديدة، وقلت بصوت واضح وثابت:
ـ الشقة والشبكة كانوا ثمن إهانتي وضربي يا عمي.. لكن الملف دا هو ثمن “القناع” اللي عاش بيه ابنك حضرة الظابط. الملف دا فيه أوراق ومستندات وشراكة مستترة وغسيل أموال مع عائلة خطيبته القديمة نورهان، تسوى وظيفته ورتبته ومستقبله، وتوديه ورا الشمس في النيابة العسكرية!
شهقت حماتي ووقفت صارخة:
ـ إنتِ بتتبلي على ابني يا مجنونة؟! ابني سيدك وسيد أهلك!
لكن جواد صرخ فيها بصوت مزق صمت الغرفة، وهو يمسك يدها بلوعة:
ـ بس يا بابا! بس يا ماما ارجوكي اسكتي! الكلام دا صح.. الملف دا لو أتحرك أنا هترفض وهتسجن!
ساد الصمت كالمقابر في الصالون. سقطت حماتي على الكرسي مذهولة، وتجمعت الدموع في عين عمي اللواء المتقاعد وهو ينظر لابنه بكسرة وندم لم أرهما فيه من قبل.
نظر إليّ عمي بنبرة توسل ترتجف:
ـ ولاء.. إحنا أهلك، وجواد ابن عمك.. بلاش تخربي بيتك وتهدي مستقبله، ابني غلط وأنا مستعد أعملك أي حاجة تطلبيها.
تنفسّتُ بعمق، ونظرتُ إلى جواد الذي كان ينظر إلى الأرض بعينين مكسورتين، ينتظر صدور الحكم من “الكرسي” الذي طالما استحقره.
قلت بصوت صارم لا يقبل الفصال:
ـ أنا مش هأذيك يا جواد في شغلك ولا هسلم الملف دا لحد.. مش عشانك، ولا عشان الحب اللي إنت قت/لته بإيديك.. أنا هعمل دا عشان الولاد دول مش ذنبهم يعيشوا بأب مسجون أو مدمَّر مستقبله، وعشان خاطرك يا عمي. لكن شروطي إنهائيّة ولا رجعة فيها:
أولاً: طلاقي منك يكون طلاقاً بائناً لا رجعة فيه فوراً وبكل حقوقي الشرعية كاملة، مع التزامك بالنفقة والشقة المقيدة باسمي.

