بنت مين اللي تيجي تقعد بيكي / حكايات نورهان العشري

مسكت التليفون وكلمت زميلي في مكتب المحاماة، وطلبت منه أمرين: الأول هو تتبع الرقم اللي كلمني ومعرفة صاحبته بالكامل، والتاني استخراج كشف حركة الحسابات البنكية والسجلات الخاصة بشركة المقاولات اللي جواد مسجل فيها كشريك مستتر من ورا شغله بالشرطة.. وهي النقطة السوداء اللي كان ديماً خايف حد يكتشفها!
بعد يومين بالضبط، جالي الرد. الرقم فعلاً كان لـ “نورهان”.. خطيبته القديمة، بس المفاجأة الكبرى كانت في حركة الفلوس. جواد مكنش بيرجع لها حبًا فيها، دا كان بيمشي معاها في عمليات غسيل أموال وتسهيل أوراق لشركات قرايبها غير المصريين مقابل نسب مالية بياخدها باسم مستعار، عشان يؤمن نفسه ماديًا لو حصلت له أي مشكلة في الخدمة!
ساعتها ضحكت بمرارة.. بقى الظابط الشريف، ابن اللوا المتقاعد، اللي شايف نفسه أحسن من خلق الله، بيغرق في السكك الشمال عشان يرضي كبرياءه ويؤمن نفسه؟
في نفس اليوم بالليل، جواد جه البيت. كان داخل وعلى وشه ابتسامة انتصار خفيفة، متوقع إن التليفون اللي جالي هيخليني أستقبله بالدموع أو العتاب أو الانهيار. قعد في الصالون وفرد جسمه بثقة وقال بنبرة مستفزة:
ـ مالك يا ولاء؟ باين عليكِ الإرهاق.. أومال فين القوة والشغل والمحاماة؟ ولا في حاجات تاني شاغلة بالك؟
قربت منه ببطء، وفي إيدي ملف أصفر مقفول. قعدت قصاده على الترابيزة، وحطيت الملف قدامه بمنتهى الهدوء وقلت له:
ـ الشغل ماشي ممتاز يا حضرة الظابط.. بس الملف دا هو اللي شاغل بالي شوية، وقلت لازم أخد رأيك فيه بحكم خبرتك الأمنيّة.
جواد ضيق عينيه وبص للملف باستخفاف:
ـ ملف إيه دا إن شاء الله؟ قضايا من المكتب؟
قلت له بابتسامة ثلجية:
ـ لا.. دي قضية جديدة خالص.. اسمها “سقوط القناع”. افتحه واقرا يا جواد.
تمدت إيده بخفة وافتتح الملف، بس مع أول ورقة، وشه بدأ يتغير.. ألوانه اتخطفت! البسمة اللي كانت على وش اختفت تماماً، وعينيه بقت بتتحرك بين السطور بسرعة ورعب مش طبيعي. كانت دي أوراق التحويلات الماليّة، والأسماء المستعارة، وصور اجتماعاته مع قرايب نورهان في كافيهات متطرفة، بالإضافة لتسجيل المكالمة اللي نورهان كلمتني فيها وشركتها في التحويلات!
عرق بارد بدأ ينزل على جبهته، ورفع عينيه ليا وهو مش مصدق.. صوته طلع مكسور ومرعوب:

