جوزي جاب أمه تعيش عندنا في البيت علشان كانت تعبانة

كنت أسمع الكلام ده وأسكت، أكل في نفسي وأسكت. الوجع الأكبر ما كانش الطلاق ولا كلام الناس، الوجع الحقيقي كان حرمان البنات. “شهد” قفلت تليفونها خالص وما بقتش ترد عليا، و”جنى” بعد ما جرت يوميها اختفت هي كمان. وفي يوم جمعة.. نفس اليوم اللي الشؤم دخل فيه حياتي من شهرين، صحيت على صوت دوشة برة الشقة. خرجت أتسحب من الأوضة، لقيت أخويا “جمعة” قاعد مع جوز سعاد ووشه أصفر ومغيم. أول ما شافني بص لي بحدة وقال: ـ “سيد وبناته مشيوا النهاردة الصبح يا ماجدة. باع الشقة بـ نُص تمنها للغريب عشان يخلص من الريحة والسيرة، ولم هدوم البنات وأخد شنطه وسافروا الصعيد.. قفل الصفحة للأبد.”
دموعي نزلت من غير ما أحس، وقعدت على أقرب كرسي: “طب والبنات يا جمعة؟ ما سابوش أي كلمة؟ رقم تليفون جديد؟ أي حاجة؟” جمعة ضحك بتهكم وقسوة: “تسأل عليكي العافية! شهد غيرت خطها، وسيد حلف على العيلة كلها في الصعيد إن اللي يوصلك بيهم أو يخليكِ تشوفي البنات، لا هو أخوه ولا يعرفه! انتِ بقيتِ بالنسبة لهم ماضي أسود اتدفن مع أمهم.”
حسيت الدنيا بتضيق بيا أكتر واكتر. سعاد دخلت وقعدت جنبي وقالت بنبرة فيها رجاء ومستحيل: “يا ماجدة يا أختي.. الموضوع كبر، وجوزي خلاص جاب آخره. إحنا لازم نلاقي حل. أنتِ لازم تروحي لسيد الصعيد! انزلي جربي اترمِي تحت رجليه، اطلبي منه يسامحك عشان خاطر البنات حتى لو مش هيرجعك.. المهم سيرة العيلة تتصلح والبنات ما يضيعوش منك.” جمعة زعق: “تروح فين يا سعاد؟! انتِ مجنونة؟! سيد هناك بين أهله وناسه، لو شافها ممكن يق/تلها ولا يرميها للكلاب! الناس هناك الصعيد ما عندهمش ياما ارحميني في الحاجات دي، خصوصاً لما يدروا إنها هانت حرمة الميت وسابت أمهم ج/ثة عشان أكلة!”
بس أنا في اللحظة دي.. ما كانش فارق معايا الموت ولا المهانة. كلمة “الصعيد” رنت في دماغي. قلت لنفسي: “أنا لو قعدت هنا هأموت من القهرة والمذلة كل يوم. سيد لازم يسمعني، لازم أعرف البنات إني مش شيطانة.. أنا كنت غبية، كنت طماعة في اللقمة، بس عمري ما كرهت أمهم ولا تمنيت لها الشر!”
من ورا أخويا جمعة، ومن غير ما سعاد تدري بكل التفاصيل، جمعت شوية الدهب الفاضلين معايا، ونزلت بيهم على محطة مصر. حجزت تذكرة قطر الصعيد المتجه للمنيا.. البلد اللي سيد مولود فيها وأهله كبار العيلة هناك.


