جوزي جاب أمه تعيش عندنا في البيت علشان كانت تعبانة

في ثانية.. البيت اتقلب سيرك! سيد طار من الصالة ودخل الأوضة ودماغه خبطت في الباب، دخل سيد الأوضة زي المجنون، وشه أصفر زي الليمونة وشفايفه بترعش. اترمى على أمّه وبقى يهز فيها بإيديه الاتنين ويكلمها بصوت مخنوق: “ياما! ردّي عليا يا أمي! ده أنا لسه داخل عليكي الصبح وببوس إيدك! قومي يا حبيبتي ده أنا جايب لك الأكل اللي بتحبيه!”
أنا في الوقت ده كنت قائمة بالواجب وزيادة، نازلة لطم على خدودي وصويت بعلو صوتي عشان أحبك التمثيلية: “يا كبد أمك يا سيد! الست كانت زفل وزي الفل، دخلت أصحيها عشان تاكل نايبها لقيتها قطعت النفس! يا خرابي يا ناس، البركة مشيت من البيت!”
البنات، شهد وجنى، دخلوا يجروا ورا أبوهما وكانوا بيبكوا بجد، أصلهم الغلابة ما كانوش عارفين الحقيقة، فاكرين إن ستي ماتت في اللحظة والتو. الشارع كله اتلم على صويتي، الجيران طلعوا يجروا على السلم، والأوضة اتزحمت بالستات والرجالة. سيد كان قاعد في الأرض تحت رجليها بيعيط زي العيل الصغير، وأنا أدخل من أوضة لأوضة ألطم وأصرخ، وفي سرّي أقول: “الحمد لله إننا أكلنا الممبار وهو سخن وشارب تسبيكته، كان زمانه دلوقتي مرمي في الزبالة ولا الجيران بياكلوه في العزا!”
المهم، الليلة عدت بالعافية. دخلنا في إجراءات الدفن ومفتش الصحة اللي جه وصرح بالدفنة، وطلعت الجنازة تاني يوم الصبح. سيد كان ماشي ورا النعش مكسور وضهره محني، وأنا ماشية جنبه لافة الطرحة على وشي وبمسح دموعي اللي كنت بعصرها بالعافية عشان تبان حقيقية.
خلصت أيام العزا الثلاثة، والبيت كان مليانناس رايحة وناس داخلة. طبعاً طول الثلاث أيام دول، سيد ما يدخلش بقهم لقمة، يادوب يشرب بؤ مية ولا فنجان قهوة سادة، وكان كل ما يبص لي يقولي: “كتر خيرك يا أم شهد.. شيلتي أمي في مرضها وخدمتيها، وحتى يوم ما ماتت كنتِ داخلة تصحيها عشان توكليها.. أصيلة يا بنت الأصول!”
أنا كنت أهز رأسي وأعمل فيها الحنينة المكسورة وأقوله: “ده واجبي يا أبو شهد، الست كانت زي أمي، وربنا عالم أنا كنت بعاملها إزاي.”
بعد ما العزا فض والناس مشيت، والبيت هدي تماماً، سيد نزل القهوة تقابل صحابه اللي جايين يعزوه، والبنات دخلوا ناموا من التعب بعد ما هدّهم المسح والتنظيف طول الأيام اللي فاتت. البيت بقىفاضي وساكت. أنا صدقت لقيت جو الهدوء ده، قعدت على الكنبة في الصالة، وفردت رجلي اللي كانت وجعاني من وقفة العزا، وطلعت التليفون عشان أكلم أختي “سعاد” وأحكي لها على المخرجة اللي عملتها!

