كل يوم بالليل، الراجل العجوز الوحيد كان بيقعد يعزف على “العود” في محطة القطر
اللحظة دي كانت زي السكينة اللي شقت صمت سنين من العذاب، أوتار العود سكتت تماماً، وصوت المطر بره المحطة كان المسمع الوحيد. عم إبراهيم مكنش قادر يتحرك، عيونه كانت متعلقة بوش البنت اللي واقفة قدامه، ملامحها اللي بتشبه طيف مراته اللي غابت، وصوتها اللي لسه بيرن في ودنه وكأنه بيغني في حضنها وهي طفلة. مريم، اللي اكتشفت إنها بنت عم إبراهيم، مقدرتش تتمالك نفسها، جريت عليه ورمت نفسها في حضنه، ودفنت وشها في هدومه المتهالكة اللي ريحتها خشب عود وتراب ذكريات. عم إبراهيم، بجسمه الهزيل وإيديه اللي بتترعش، ضمها بقوة، كأنه بيخاف لو سابها تختفي زي ما اختفت من أربعين سنة. في المحطة اللي كان بيعتبرها “مدفنه الحي”، لقى فيها أخيراً روحه.
حنان، الاسم الحقيقي للبنت، بدأت تحكي له وهي بتمسح دموعها، إنها مكنتش هاربة من مؤامرات أو مطاردات، لكن كانت هاربة من “واقع تافه”. أمها أخدتها وسافرت لأنها مكنتش قادرة تتحمل فقر أبوها، ولا ريحة الخشب والعود اللي مالي البيت، كانت عاوزة حياة تانية، حياة فيها رفاهية ومظاهر، وخدت بنتها معاها وقطعت كل خيوط الاتصال بإبراهيم. حنان كبرت وهي بتسمع قصص كدابة عن أبوها، إنها “يتيمة” وإن أبوها كان إنسان مهمل، لحد ما في يوم لقت في صندوق قديم بتاع أمها “نوتة موسيقية” مكتوب عليها بخط إيد أبوها، وعليها نفس اللحن اللي كانت بتسمعه في كوابيسها كطفلة. قررت تدور عليه، مش عشان فلوس ولا عشان أسرار، لكن لأنها حست إن جزء كبير منها ضايع، وإن الحياة اللي عاشتها في عز ورغد كانت فاضية من جواها.
اللحظة دي مكنش فيها “أشرار” ولا “بوليس”، كان فيها بس مواجهة حقيقية بين أب ضحى بعمره عشان وفاء لذكرى، وبين بنت عرفت إن “الغنى” مبيشتريش دفا الحضن اللي كانت بتدور عليه. الناس اللي كانوا في المحطة، ومنهم موظف التذاكر اللي كان دايماً بيشفق على إبراهيم، اتجمعوا حواليهم وبدأوا يمسحوا دموعهم في صمت. كان مشهد إنساني بحت، مفيش فيه بطل غير الزمن اللي دار وجمعهم تاني. عم إبراهيم مسك عوده، وبدل ما يعزف حزن، بدأ يعزف لحن كان بيخبيه لأحفاده، لحن الفرحة باللقاء.
بعد ساعات، المحطة بدأت تفرغ، والقطارات كانت بتتحرك في صمت، لكن إبراهيم وحنان فضلوا قاعدين على نفس البنك الخشب. حنان عرضت عليه يروحوا بيتها، بيت كبير ومريح، بس إبراهيم بص للعود بتاعه، وبص للمحطة اللي كانت شاهدة على صبره، وقال لها بصوت هادي: “أنا مش عاوز بيت جديد يا بنتي، أنا عاوز أروح البيت اللي سيبتيه من سنين، عاوز أشم ريحة الخشب تاني، وعاوزك إنتي اللي تغني لي، مش العود.”
الرحلة للبيت القديم كانت مليانة حكايات، حنان شافت “الورشة” اللي كان بيصنع فيها عوده، وشافت الصور القديمة اللي كان محتفظ بيها رغم كل حاجة. مكنش فيه “كنز” غير الصور والذكريات. حنان اعتذرت عن كل سنة أمها حرمتها فيها من أبوها، وإبراهيم اعتذر لأنه مكنش قادر يعمل أكتر من إنه يعزف في المحطة. النهاية مكنتش في مطاردة، كانت في “الرجوع”. رجوع للبيت، رجوع للدفء، ورجوع لحياة طبيعية بتبدأ من جديد بعد أربعين سنة من الغياب. عم إبراهيم ساب المحطة، مش كراجل عجوز وحيد، لكن كأب لقى بنته، ورجع لبيته عشان يقضي باقي عمره في “البيت” اللي كان بيحلم بيه، بعيد عن رصيف المحطة، ووسط عيلته اللي استردها بقلبه وصبره. كانت دي أقوى “نهاية” ممكن تحصل، لأنها نهاية واقعية، إنسانية، وبتحسسك إن الخير والوفاء لسه ليهم مكان، حتى لو الدنيا حاولت تسرقهم مننا سنين.

